الأحد، 22 مايو، 2011

محمد عطية الفيتوري : هتافٌ بليدٌ لمخلوقٍ مريضٍ



" أللاَّه ومعمر وليبيا وبس"
بقلم
محمد عطية الفيتوري

  
تحديدات عقدية:
        حدَّد الشارع الحكيم شروطاً بعينها لقبول كلمة التوحيد التي يدخل بها الإنسان في دين الله تعالى، فيُعْصَم بها دمه ، وماله إلاَّ بحقها ، وحسابه بعد ذلك على الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما :       " أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على   الله " . هذه الشهادة هي أثقل في ميزان الله من السموات والأرض ، إذ ورد في حديث الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم ، أنها تملأ ما بين السموات والأرض . وورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، الذي خرَّجه ابن حِبَّان ، والحاكم وصححه ، أنها وحدها تميل بالميزان الذي في كفَّتـه الأخرى
السموات السبع وعامرهن  من غير الله تعالى ، والأرضين السبع وما فيهن.

        وفي ضوء ما تقدّم ، اشترط الشارع لقبول هذه الشهادة شروطاً موضوعية ، وشروطاً شكلية . فأما الشروط الموضوعية فمنها : العلم بمعناها ، والإخلاص في حملها ، والعمل بمقتضاها . وأما الشروط الشكلية فمنها :  النطق بها على وجهها الصحيح . فكلمة التوحيد تتضمن نفي الآلهة جميعا ، وإثبات الألوهية لله وحده دون سواه . فأما النفي فهو أن ينطق الذي يشهد بها بقوله : " لا إله " أي لا معبود بحق أو لا سيد يجب له حق الطاعة . وأما الإثبات فهو قوله : " إلاَّ الله " أي استثناء الله جلَّ شأنه من الآلهة التي نفاها قائلها في شهادته . والقول الذي تقبله الشريعة في هذا الشأن هو أن يلهج الناطق بلفظ الجلالة " الله " كما هو ، دون تغيير (تبديل غيره به) أو تشبيه (مماثلة غيره به) أو تحريف (صرفه عن معناه) ، ومن ذلك قولهم مثلاً :  " اللاَّه " أو " أللاَّء "  أو  " ألَهْ " ، ويُستثنى من ذلك أصحاب اللسان الأعجمي ، وأهل البوادي ، فيقبل من هؤلاء ذلك على أن يقوم أهل العلم من المسلمين بتعليمهم .

الهتاف البليد
مضمونه ومآله
المضمون :
        إن الذين يهتفون بقولهم : " أللاَّه ومعمر وليبيا وبس " ، هم من عرب ليبيا ، وهذا يعني أنهم من أهل اللسان العربي ، فهم قادرون على أن ينطقوا بلفظ الجلالة بفصيح اللسان ، وبما أنهم لم ينطقوا بذلك بل قالوه بصورته التي تنطوي على القوادح الثلاثة ؛ فإنه لا يُحسَب لهم أنهم قد ذكروا الله جلَّت قدرته ، وإنما ذكروا " اللاَّه " ! ، فمن هو   هذا " اللاَّه " أو " اللاء " الذي ملأ قلوبهم ، وملك عليهم عقولهم ، وأرواحهم ، وجوانحهم ، فقطعاً ليس هو الله القوي الجبار المتين الذي اختص بالتنزيه عن كلِّ نقصٍ ،
والاتصاف بالكمال المطلق ، فهو إعلان لإضافة إله غير الله مع الآلهة الأخرى التي زعموها ، وهي: " معمر وليبيا وبس " ، وذلك بغير ارتياب كفرٌ صراحٌ نعوذ بالله من المصير إليه .

 هذا من ناحية تحريف لفظ الجلالة في الهتاف ، أما لو افترضنا أن الذي نطقوا به في الهتاف هو " الله " جلَّ شأنه ، فإن الأمر يصبح حينئذٍ أمر إشراك به عز وجل ، فقولهم :  " الله ومعمر وليبيا وبس " إما أن يعني أنهم قالوه اعتقاداً ، وإما أنهم قالوه ولاءً . فإذا كان المقصود هو المعنى الأول ، ففيه إضافة عقيدة شركية إلى عقيد التوحيد الكبرى ؛ لأن الاعتقاد السليم هو الاعتقـاد المبني على توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد أسماء الله وصفاته، فإضافة عقيدة أخرى من صنع الإنسان هو نقض للتوحيد من أساسه ، قال تقدَّست أسماؤه في سورة الأنعام : { قل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العامين (162) لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أول المسلمين (163) }.
        وأما إذا كان المقصود هو الولاء ، فإن الولاء في الإسلام هو لله ولرسوله وللمؤمنين ، والولاء هنا يتضمن ما يناقضه وهو البراء من أعداء الله ورسوله والمؤمنين .والواقع المشاهد يقطع بأن " معمراً " هذا هو من أعداء الله ورسوله والمؤمنين . وإذا كان الهتاف المذكور باطلاً من الناحية الموضوعية ابتداءً ؛ فإن ما سبق يوضِّح بطلانه من الناحية الشكلية انتهاءً .    
المآل:
        إن الذي يلهج بهذا الهتاف يحكم على نفسه بأمرين :
الأول: البلادة ؛ لأنه فرَّط في الحرية التي وهبها له خالقه سبحانه لمَّا قرر أن يكون عبداً له وحده دون سواه ، واختار طواعية العبودية لمخلوق مثله ، بل إن الذي اختاره هو من أسوأ المخلوقات ، لما ثبت عنه من كذب ، ودجل ، وخيانة ، وانحطاط ، وحقد على البشرية ، وصفات أخرى تضعه في مستوى الجمادات في الطبقة السفلى .
والثاني : هو نتيجة منطقية للأول ، وفحواه أنه قرر أن يحيا في ظل الدكتاتورية ، بل قل في ظل قبضة هذا الطاغية ، وأسرته الفاسدة الذين أرادوا أن تنقلب حياة الشعب الليبي إلى
جحيم ، ودنياه إلى دمار ، ومعاشه إلى شقاء وذلٍّ وانكسار ، فيكونوا حميراً يركبهم شعب الله المختار ، كلما نفق حمارٌ ؛ ركبوا حماراً غيره .. فهذا ما أورده اليهود في بروتوكولاتهم .

المخلوق المريض
        ردَّد الهتاف المذكور جمع كبير من جلاوزة هذا المخلوق ، ومرتزقته الذين جلبهم من بلاد عديدة ، وخَلقٌ كثير أتى بهم من دور الأيتام والعجزة ، إضافة إلى الأسرى الذين قبض عليهم من مختلف المدن والقرى في ليبيا .. يتردد هذا الهتاف على مسامعه ، فتنفرج أساريره ، ويبتسم ثغره طرباً ، لتغمره نشوة كاذبة ، قد يتقوى بها على مواجهة الحقيقة السافرة الدامغة ، وهي أنه مخلوق دنيء ، منحط ، ذميم ، فاشل ، كرهه شعبه فثار عليه ،
بعد أن أدرك أنه خائن ، دجـال ، كذَّاب مبير ؛ لأنه أراد استعباده ، وإبادته . وكرهته
شعوب العالم ؛ لأنها رأت مصرع القيم الإنسانية والأخلاقية العليا على يديه .
        المرض الذي يعاني منه هذا المخلوق ليس وليد الساعة ، بل هو مرض صاحب هذه الشخصية منذ أن أُتِي به ليعتلي سدة الحكم في ليبيا في  سبتمبر سنة 1969م ... إنه جنون العظمة الذي لا يحده حد ، ولا يقف دونه حائل إلا نهاية حياة من أُصيب به . كان من مضامين المخطط الذي رُسِمَ له هو أن يبدأ حياته السياسية بتقمص شخصية المؤيد ، والمناصر للعبد الخاسر جمال عبد الناصر ، عليه من الله ما يستحق ، فكان داعية لكذبة الناصرية ، منافحاً عن فرية القومية العربية ، وكان من أهداف المخططين وراء ذلك هو اختلاق تعويض نفسي وشعبي لعبد الناصر بعد هزيمة يونيو سنة 1967م ، تمهيداً لقبول مشروع روجرز للسلام ، والدخول في مستنقع التفاوض مع اليهود ، فكنا نشهد في ذلك الأوان أن نظام المخلوق المريض يقيس ولاء الناس له بمدى إظهار المناصرة للقومية العربية ،
والتأييد لأفكار الزعيم الخالد ، والثورة الأم ، ثورة 23 يوليو الناصرية ، فإذا لم يُظهروا هذه القناعة ،  وأبدوا غيرها ؛ فإن تهم المرض ، والرجعية ، والعمالة هي الجزاء الأوفى لهم ، ولأمثالهم .
        في بداية النصف الثاني من حقبة السبعينيات تقَمَّصَ المريض شخصية الرسول ، مبعوث العناية الإلهية ، لإصلاح العالم ، وهدايته ، فألَّفت إمرأة سيئة السمعة ، تُدْعَى     " ميريلا بيانكو " كتاباً بعنوان : " القذافي رسول الصحراء " ، سألته فيه قائلة : " ألست راعياً للغنم يا رسول الله ؟ " ، فأجابها : " بلا ، ما من نبيٍّ إلاَّ ورعى الغنم. " .
        ولن أنسى ما حييت ، ذلك اليوم من شهر أبريل سنة 1976م ، الذي قُفِلت فيه جامعة بنغازي بقاريونس من جميع منافذها ، وأُقيمت للمخلوق المريض منصة أمام مدخل المكتبة  المركزية . وقد كان من عادتي أن أغادر الجامعة في كلِّ مرة أشعر بمجيئه إليها ؛ ولكنني لم أستطع الخروج في ذلك اليوم ، فأُرغمت على البقاء ، وحضور المهزلة التي سيقوم بها ، فقام في الناس خطيباً مهدِّداً ، فقال : " إن شعارنا من الآن سيكون لا إله إلا
الله الفاتح ر سول الله " . وكان البلهاء من أذنابه يرددون : " الفاتح عقيدة ، الفاتح       إيمان " . وفي اليوم التالي تسلَّمتُ النشرة اليومية لوكالة الأنباء الليبية ، التي كانت تُسمى
 وقتها : " وكالة  أنباء الثورة العربية "، فاطلعت على خبر المهزلة ، فوجدتهم نقلوا كلامه على النحو الآتي : " إن شعارنا من الآن سيكون لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم الفاتح " .. منعتهم البقية الباقية من الحياء أن يذكروا الرواية كما وردت في هذربته .     
        أصدر كتابه الأخضر بفصوله الثلاثة ، وأدخله في مناهج التعليم في المدارس ، والمعاهد ، والجامعات ، فكان العلم به ، في ميزان المخلوق المريض ، نورٌ وصدقُ وإيمان ، والجهل به ظلامُ وزورُ وكفران ..  والحق أن العلم به لا ينفع ، والجهل به لا يضر .. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع . أذكر ،  بهذه المناسبة ، أن أحد الأجانب العاملين بمدينة بنغازي ، علم بصدور الفصل الثاني من الكتاب الأخضر المتعلق بحل المشكل الاقتصادي ، فاتجه صوب المكتبة التي سُمِّيت فيما بعد بمكتبة " الشهيد أحمـد مصباح " ،
فسألَ صاحب المكتبة باللغة الإنجليزية : " هل لديكم الجزء الثاني من الكتاب الأخضر المتعلق بحل المشكل الاقتصادي ؟ ". وكان المسكين يتصور أن يقال له : " عليك إحضار سيارة لتستلم المجلدات الكثيرة العدد ، الثقيلة الوزن ، التي تحل جميع المشاكل الاقتصادية في حياة الإنسان ! " . فما كان من صاحب المكتبة إلاَّ أن وثب على كتيِّبٍ صغير لا يتعدى صفحتي ورقة الطلب ( المعروفة عندنا في ليبيا ) ، فقدمه له قائلاً : " ون دينار " ، فســأله الأجنبي : " ما هذا ؟ " ، فرد صاحب المكتبة وعلى وجهـه ابتسامة التهكم :
" هذا  هو الفصل الثاني من الكتاب الأخضر ! " ، فخرج الأجنبي وهو يقول: " هذا الرجل مجنون .. أنا متأكد أنه مجنون .. مُخَرِّف ! " .  
        في سنة 1979م ، أجرت مجلة "باريس ماتش "  مقابلة معه ، فسألته : " من مثلك الأعلى ؟ " ، فأجابها : " ليس لي مثل أعلى " . فتساءلت المجلة : " وماذا عن          عبد الناصر ؟ " ، فأجابها : " عبد الناصر مثلٌ ومنوالٌ على مستوى الأمة العربية ؛ أما ثورة الفاتح من سبتمبر فهي على مستوى العالم كله ! " .
        مرَّت حقبة السبعينيات بخيرها وشرِّها ، بحلوها ومرِّها ، ثم ابتدأت حقبة الثمانينيات لينتهج المخلوق المريض  نمطاً آخر من أنماط التخريب ، ويدخل في مرحلة أخرى من مراحل الجنون ؛ ولكنها هذه المرة تأخذ صوراً عديدة ، منها الاستخفاف بقادة الأمم على امتداد التاريخ الإنساني ، ومنها الطعن في المرسلين ، ومنها الاعتداء على الذات الإلهية .. قال ذات مرة : " لو كان في مقدورنا أن نثور على الله لثرنا عليه " تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً أيها الزنديق .
        يعاني هذا المخلوق من نوع خاص من الجنون ، قد تساعد الأنماط المعروفة في الطب النفسي كالبارانويا ، والفصام ، والسيكوباتي على محاولة تصنيف هذه الحالة ، كما قد يساعد على ذلك ، من ناحية أخرى ، تتبع تطوراته في أمور كثيرة منها :
·        طبيعة شخصيته العدوانية ، فهي شخصية تتسم بالقسوة ، والشراسة ، والسادية ، وحب الانتقام من الآخرين ، ومَقْتِهِ لكلِّ من يتفوق عليه ، ولو كان ذلك في طول قامته أو اعتدال مزاجه أو ما شابه ذلك .
·                        إكراه الناس على القناعة بعقائده وأفكاره التي يمجها العقل السليم ، وتعافها الفطر السوية .
·        تدينه المغشوش الذي يغلب عليه الكذب ، والنفاق . فقد دأب على الهذيان بأفكار غريبة عن الإسلام ، بعيدة عن عقائده وتصوراته ، لا ينطلي زيفها على أدنى الناس معرفة بالشرع .
·        الاعتياد على الكذب ، وتزييف الواقع ، وقلب الحقائق ، وتشويه المفاهيم ، والتشكيك في كلِّ شيءٍٍ ، وجَعْل ذلك سلوكاً اعتياديّاً لمن حوله من أبنائه ، وأزلامه .  
شكَّلت هذه الأمور وغيرها معالم شخصيته ، فأصبحت منهجاً له في حياته ، وبما أن له طموحات لا حدَّ لها ، مع امتلاكه أموالاً طـائلةً ، وهي الأموال التي سرقهـا من
الشعب الليبي ، لذلك تمكن من شراء ذمم بعض البشر ، وتملَّك وسائل إعلام في الداخل والخارج  ، وبيوتات أموال ، وشركات استثمار عالمية ، كما استطاع شراء أسلحة فتاكة من مصادر مختلفة ، فكوِّن بها جيوشاً ، ومليشيات مقاتلة في بقع عديدة من العالم . لذلك كله فهو يرى أن الصواب هو ما يراه ، وأن الحق هو ما يتبنَّاه ، وأن الواقع هو ما يتصوره وليس ما عداه . 
        بنى أحلامه على هذه القناعات ، ورسم مستقبل أبنائه طبقاً لهذه التصورات ، فوصل إلى يقين جازم بأن المستقبل الذي رسمه لأولاده ، ولليبيا هو الواقع الذي لا محالة واقع ، كما وصل إلى يقين جازم بأن الجيل الذي تربَّى على مناهجه السقيمة ، ونزع من سويداء قلبه الشعور بالانتماء  إلى غير طريقته ، والإحساس بالولاء لغير شخصه وملته .. جيل " اللَّحسة " و " البانكس " الذين يلبسون القمصان المزركشة ، والسراويل          " الأميريكية " التي لا يربطون أحزمتها .. هذا الجيل في تصوره إنما هو جيلٌ لا يتطلع إلى معالي الأمور بل يهبط إلى سفسافها ، مستغرقاً في سباته ، تائهاً في حياته ، كطير ذليل مهيض الجناح مسكين ... بنى المخلوق المريض تصوراته من نسيج أوهامه ، ورسم معالم
 مستقبله من أضغاث أحلامه ، فتفاجأ بانفجار البركان ، واشتداد لهيب النيران ، فإذا بالذين استهزأ بهم ، وسخر من طريقتهم ، قد غدوا أسوداً ضارية ، وليوثاً كواسر ، وإذا بآبائهم وأمهاتهم من ورائهم عوناً وسنداً .. خرجوا جميعاً في انتفاضة عارمة ، وثورة على الجلاد المريض وأذنابه ، حطَّموا بها الأغلال ، وكسَّروا بها القيود ، واتجـهوا بصدور عارية إلى قلعته الحصينة في بنغازي ، فتلقوا الرصاص بصدورهم ، وما هي إلا سويعات قلائل حتى استسلم من استسلم من جنوده ، وهرب من هرب منهم أمام بطولة الأبطال ، وصولة الشجعان ، وإقدام الفرسان ، فدُكَّت قلعة الطاغوت الحصينة بسواعد هؤلاء الأسود ، فاندحـر الباطل مهزوماً ، ومات المخلوق المريض بغيضه ، فما هي إلاَّ أربعة أيام حتى تحررت مدن شرق ليبيا من ربقته ، فصرَّح الحق عن محضه ، وانكشف المُوَرَّى ، فإذا بالنظام الحديدي ، والستار الفولاذي ، لا يعدو أن يكون نمراً من ورق ... عصبة من شذَّاذ الآفاق تملك محيطاً من المال ، ولا تملك عقولاً في رؤوسها ، ولا إنسانية في قلوبها ، ولا قيمة عليا تركن إليها .
        وصل المرض بالدَّجال إلى منتهاه ، فلم يُصَدِّق أن الشعب الليبي قد ثار عليه ، وأن الشباب الغض قد انتفض على جبروته ، وصار يطلب الموت لتوهب له الحياة ، فحقد المخلوق المريض ، وأرغى وأزبد ، ثم قال : " أنا المجد ، أنا التاريخ ، أنا الحق  المبين " . . بلغ به الجنون غايته ، فكذَّب ما رأى وما سمع ، وصار يعيش في دنيا أخرى ، وواقع آخر ، فأعلن حرب إبادة ضد شعبٍ بأكمله ، وعادى بغطرسته عالماً بأجمله . قرر الشعب الليبي الخلاص من الطاغية وأولاده ، فشرع في تقطيع أوصال نظامه قطعة قطعة ، حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من مصيره المحتَّم ، وأخذ الله الأليم الشديد . فإذا بلغنا الغاية ، وصرنا أقرب إلى النهاية ، وصرعنا الطاغوت وأذنابه ، فحينئذ يقطع الله دابر القوم الذين ظلموا ؛ ويفرح المؤمنون بنصر الله ، والحمد لله ربِّ العالمين .
     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق