الثلاثاء، 10 مايو، 2011

د. جمال أحمد بادي : ليبيا قيم زرعتها ثورة 17 فبراير


بسم الله الرحمن الرحيم


مدخل: يتفق كل أحرار العالم على أن ما يشاهدونه هذه الأيام، ومنذ اندلاع ثورة 17 فبراير، من بطولات وتضحيات وتفان في الخير، وإقدام في ميدان النضال والنزال من أفراد الشعب الليبي العظيم رجالا ونساء شيبا وشبابا فاق تصوراتهم، ولم يكن لهم في الحسبان، وما توقعوا يوما حصوله بعد كل هذه العقود من الزمن. فما الذي حصل لأفراد الشعب الليبي الأبي؟ وما الذي غيّر تفكيره وسلوكه في زمن قياسي؟
حقيقة: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (إن الله لايغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). ويذكر عالم النفس الغربي هاورد قاردنر في كتابه "تغيير العقول" ص 17[1] أن من أعظم أسباب تغيير العقول وبالتالي السلوك الإنساني هي أن يعيش الناس الوقائع الحية لأحداث جسيمة كالكوارث والحروب. ولقد كان من بركات ثورة 17 فبراير وما تتابع من أحداثها أنها قلبت الموازين، فاستثارت الطاقات الكامنة في أهل البلد، واستجاشت عواطفهم، وألهبت مشاعرهم، وأعادت بوصلة اتجاهات الأفكار لديهم لتجعل من ذلك كله بركانا يثور في وجه الظلم والعدوان، وفي وجه الظالم والأعوان.


خلاصة: لقد أسس بركان ثورة فبراير لقيم فكرية واجتماعية وأخلاقية وسياسية جديدة[2] متعددة. فما أهم تلك القيم التي أحدتثها الثورة المباركة؟ وما ملامحها؟ وما أثارها على أفراد المجتمع الليبي؟ هذا ما يحاول هذا المقال تجليته.
أهم قيم ثورة فبراير الخالدة:
1.     ترسيخ عقيدة الإيمان بالله تعالى: بالتوكل عليه سبحانه، والرجاء في نصره، والتسليم لقضائه الذي لا حيلة في دفعه كموت من تعرّض لنيران أسلحة الطاغية المستبد، وكذلك الأمر فيمن جُرح أو خُطف أحد أبنائه أو هدّم أزلام الطاغية المستبد بيته أو متجره أو مصنعه. أما القضاء الذي للناس حيلة في دفعه كالعدوان والظلم فأصول الإيمان توجب بذل كل جهد ونفيس في دفعه وإزالته بكل الوسائل المشروعة والمتاحة. وهذا ما قام به أفراد شعبنا الليبي الأشم حيث هبّوا - بما تيسر لهم من إمكانيات ووسائل مهما قلت - لدفع ما وقع عليهم من عدوان سافر من قبل أنصار الظالم ومرتزقته فلقنوهم دروسا لن ينسوها طوال حياتهم.
2.     حب الوطن والولاء له: لقد جاءت فترة تراجع فيها حب الوطن عند بعض الليبيين لارتباطه في أذهانهم وشعورهم بالإستبداد والقهر لسنين طويلة. وهاجر عنه من هاجر. بل بحث بعض الليبيين عن أوطان أخرى تمنحهم الجنسية أو اللجوء السياسي!  وفي لحظات بل في ثوان ومع انبلاج فجر ثورة الشعب تجدد الحب والولاء والوفاء لليبيا الحرة. بل عاد إلى الوطن في أول أيام الثورة من ولد وترعرع عقودا من أبناء أبنائه خارجه، عاد ليدافع عن حياضه ولينال فخر الاستشهاد. ومن صور الوفاء والولاء للوطن ترجيحه على الولاء للفرد والأسرة والقبيلة، حيث انضم لصفوف الثوار أعداد من القادة والسياسيين والدبلوماسيين وضباط الجيش والشرطة والأمن من البدايات الأولى. أقول لقد كان لهذا الإنحياز دور كبير في نصرة الثورة المباركة فهو تأثر وتأثير. ونقول لجميع هؤلاء الشرفاء: لقد كان اختياركم موفقا ومسددا، وهو شرف لكم سيكسوكم في حياتكم وبعد مماتكم.  وفي مقابل هذا الحب والولاء والصفاء هناك من باع وطنه وخذله في ساعة أحوج ما يكون إليه لأجل ديمومة كرسي فرد وأسرته. ونقول بصوت عال: ياويل من خانك وخذلك ياوطن من قليلي الضمائر وموتى القلوب، فالتاريخ لن يرحمهم، والعقاب العادل في انتظارهم، والخزي والعار سيكون لهم دثارًا بقية حياتهم وبعد موتهم. وها نحن نخاطب من بقي في شعوره ذرة من حب الوطن والولاء له من أتباع الظالم فنقول: ابن ليبيا الحرة كن رجلا ولا تتردد واتخذ قرارك هذه اللحظة! وكن في صف الثوار، وانزع عنك ثوب المهانة والذل والعار قبل فوات الأوان.
3.     الوحدة: ونقصد الوحدة بكل معانيها وصورها وأشكالها وتمثلاتها. وحدة الهدف (ليبيا حرة والقذافي يطلع برّه)، ووحدة الصف (والله والله والله عن بنغازي ما نتخلى)، ووحدة الموقف (نعيش أحرارا أو نستشهد)، ووحدة الوطن (لا شرقية ولا غربية ليبيا وحدة وطنية)، ووحدة الرمز (علم الاستقلال)، ووحدة العاصمة (طرابلس)، ووحدة الهتاف (الله أكبر)، ووحدة الشعور (دم الشهداء ما يمشيش هباء)، ووحدة الإحساس بالمسؤولية (قولوا لمعمر وعياله ليبيا فيها رجّاله).
4.     النصرة: والنصرة تكون بالنفس وذلك بالقتال في الميدان وهو أعلى أنواع النصرة لكنه لا يلغي غيرها كما يتصور بعض الضعفاء. فقد تكون النصرة بتضميد الجراح (مواقف جليلة لأطبائنا)، وبالمال (مواقف طيبة ومشكورة من رجال الأعمال)، وبالمقال والمقابلة والحوار ونشر الخبر (إعلاميونا)، وبالقصيدة والشعر والنثر (أقلام أدبائنا)، وبالكريكاتور والنشيد والأغنية الهادفة (فنانونا)، وبما توفره تقنية المعلومات من آليات (مهندسو التقنية). وهذا ليس من باب الحصر فكلٌ جاد ويجود بجهده في مجال تخصصه الذي يتقنه.
5.     النخوة والشهامة: المشاركة بما يملك الليبي الشهم من مسكن وطعام. وقد حدتثني والدتي في إحدى الاتصالات في آخر إبريل عن وصول عدد بعض الأسر في مصراته إلى عشرة أسر يسكنون بيتا واحدا بني في الأساس ليتسع لأسرة واحدة. وذلك بعد أن هدم الطاغية بيوتهم بصواريخه! الله أكبر! يضرب هذا الظالم شعبه بالصواريخ ليهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، فتكون النتيجة غير المقصودة أن يزرع فيهم قيما جديدة اجتهد أكثر من أربعين عاما في طمسها! ألا ما أعظم ثورة الحرية!
6.     الحوار السياسي: شارك عدد من المثقفين والمفكرين والأكاديميين الليبيين بالخارج بالحوار السياسي بالإدلاء بالرأي، وتحليل الأحداث، ورسم الصورة الصحيحة لما يقع في أرض الواقع من خلال الفضائيات، باللغتين العربية والإنجليزية، بصورة أثبتت جداراتهم، وكشفت عن قدراتهم وتمكنهم في تخصصاتهم، كما أفصحت عن نضج سياسي غير معهود.
7.     الإبداع الإعلامي: برزت عقليات شعبنا المغوار المبدعة وتجلت في مجال آخر ألا وهو التسابق في نقل الأخبار للعالم من خلال تصوير وتوثيق أحداث الثورة – بما تيسر لهم من وسائل تقنية محدودة - أولا بأول وحدثا بحدث، حتى تيسر للناس أن يعيشوا وقائع الثورة عن بعد وكأنهم في قلب الميدان! ثم لا تسل عن التسابق الهائل في إنشاء وتصميم وتحديث صفحات الفيس بوك والمواقع[3] والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفاز التي كان لها جميعا دور فعال ومؤثر في نقل  صورة ما يحدث على أرض ليبيا في كل منطقة ومدينة وحي على مدار الساعة بل على مدار الدقيقة أحيانا.
8.     التلاحم والتعاون الثقافي العرقي: لقد كان لانضمام إخواننا في الزنتان والرجبان ونالوت وزواره ويفرن والقلعة وككله وكاباو وجادو والمجابرة والرحيبات والحوامد وغيرها من مدن وقرى المنطقة الغربية - ولمناطق خليط من الأمازيغ والعرب - لثورة 17 فبراير، وتحرير أراضيهم من رجس الظالم الطاغية، وما سطروه من قصص البطولة والفداء في دحر مرتزقة الجبان، كان لكل ذلك أثره الطيب في نصرة ثورة الحرية والمحافظة على توازن الكفة في ساحة التحرير. فجزاهم الله وجزى جميع الثوار خيرا.
9.     روح المبادرة: لقد كان لعنصر المبادأة والمباغتة والمفاجأة دور فعّال في نجاح ثورة 17 فبراير. وهو دليل على توفر عنصري الدافعية والجاهزية مما خابت عن توقعه أجهزة النظام الدكتاتوري الذي جمع بين مساوئ النازية والفاشية. فكان لبدء الشرارة من بنغازي ثم المسارعة بالدعم من بقية المناطق الشرقية: إجدابيا وطبرق ودرنة والمرج والبيضاء ثم مصراته والزاوية وبقية المناطق الغربية التي مرّ ذكرها، كان لكل تلك المبادرات دور بارز في إرباك اللانظام وتخبطه في المواجهة في البداية. ولو حصل أي تأخر في المبادرات لكانت كوارث ولا أقول كارثة.  وفي المقابل لو قدر لبقية المدن والمناطق الاستجابة بذات السرعة لما استطاع المهزوم المأزوم أن يقاوم كل هذه المقاومة كل هذه المدة الزمنية مهما أوتي من عتاد وقوة.
10.                        علو الهمة وتجدد الروح المعنوية: كل هذه القيم المذكورة أعلاه ما كان لها أن تتحقق في أرض الواقع لولا وجود الهمة العالية لدى أفراد شعبنا الليبي الثائر. إنها الهمة التي تجعل الشباب العُزّل يواجهون الدبابات والأرتال المدرعة بصدور عارية، والأب يسابق ابنه على الميدان، والجريح يكتم آهاته ويبتسم للكاميرات، والأمهات يزغردن لموت أبنائهن، والطبيب يبقى الأيام والليالي ذوات العدد بالمستشفى وغرفة العمليات دون كلل ولا ملل ولا رجوع إلى بيته، والمقاتل في الجبهة يصمد ويواصل التقدم دون انحناء ولا فتور، والجيران يتقاسمون المأوى ولقمة الخبز بكل أريحية وروح أخوية، والفنّان يصوغ قصيدة يُمجّد فيها بطولة الثوار المغاوير، ويسّفه فيها المعتدي الظالم. ومن أعظم صور الهمة التي رأيت ورأها غيري على اليوتيوب، عجوز أبت إلا أن تخرج مع شباب الثورة في الميدان مرددة (حيه عليه النار كلاته)، ونرى عجوزا أخرى  تزور الجبهة الأمامية لتسلم على الثوار فردا فردا، وتدعو لهم، ولا تنس أن تُشنّف أسماعهم بزغرودة تطرب لها نفوسهم وتشحذ بها عزائمهم. ولا ينقضي عجبي عندما نشر شبابنا المقطع على صفحة الانترنت تحت عنوان: بمثل هذا ننتظر النصر.
11.                        رجوع الثقة بين الليبيين: لقد نجح القردافي الظالم في زرع التحسس وقلة الثقة بين أفراد الشعب الليبي حتى أصبح الأخ لا يثق في أخيه الشقيق، والجار لا يثق في جاره، والموظف يشك في زميله في العمل. وبعد انبلاج ثورة 17 فبراير تغيّر كل شيء وعادت الثقة بين الليبيين على أعلى وأقوى درجاتها. فيكفي أن تعرف أن شخصا ما مع الثورة ومن مناصريها لكي تتعرف عليه وتصادقه بكل ما تملك من مشاعر الأخوة والمحبة. إنها آية أخرى من آيات مباركة الله لهذه الثورة المظفرة. أتحدث عن نفسي لقد صادقت أكثر من 170 ليبي حر على النت يعيشون داخل الوطن وخارجه في كل بقاع الدنيا وأتحدث مع كثير منهم كل يوم بكل رحابة صدر، وكان ذلك في غضون شهر من الزمن. أليس هذا أشبه بالمعجزة؟ ما الذي جعلنا نتغيّر في أيام ولحظات ونسترد الثقة في الآخرين من أبناء وطننا ليبيا إنه ليبيا نفسها وذاتها وعينها! حبنا لهذا البد ووفاؤنا له ومحبتنا في تحريره، وكرهنا للظالم المستبد أشكالون ورغبتنا في إزالة حكمه البغيض من خلال الثورة الشعبية عليه، كل هذه قواسم مشتركة جمعت بيننا وألفت بين قلوبنا، وأعادت الثقة في كل من شاركنا تلك الأهداف السامية.
12.                        الإرتقاء الحضاري: تشكلّت في كل منطقة محررة من ليبيا، وفي كل بلد من بلاد العالم فيه جالية ليبية مجالس وطنية، وتوزع أفراد تلك المجالس الأدوار. فهذه لجنة إعلامية، وأخرى مالية، وأخرى للعلاقات العامة، ورابعة ثقافية، وهكذا ... مزاولة لمهارات الاتصال، ومهارات التفكير، ومهارات إتخاذ القرارات، ومهارات حل المشكلات، وغيرها. إنها القمة في إتقان مهارات الإدارة! وإلى جانب ذلك الكثير من الرجال والنساء من أهل ليبيانا الحبيبة تعلموا مهارات التقنية نتيجة رغبتهم الملحة في متابعة أخبار الثورة. فتعلموا الدخول على النت واستعمال تقنياته من يوتيوب وريل بلاير وفيس بوك وسكايب وما إلى ذلك من تقنيات تجرك إليها تقنيات أخرى! إنها حقا معجزة أخرى تضاف إلى معجزات ثورة 17 فبراير.    
سلمتِ يا ثورة الأحرار، وسلِم مناضلوك الأبرار الأخيار، وكلّل الله مسعاكِ بالنصر القريب. وخاب عدوكِ الغاشم وخاب مناصروه، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، وتدبيرهم في تدميرهم، ودائرة السوء عليهم، واجعل مخططاتهم سببا في انتكاستهم وخسرانهم وهزيمتهم. اللهم آمين.


[1]  والعجيب أن هذه الحقيقة جاءت في صفحة 17 من الطبعة الأولى الإنجليزية! أقولها من باب التفاؤل بالخير وذلك بالربط بين شيئين إيجابيين.
[2]  عندما أقول جديدة لا ينفي كونها أصيلة كامنة، إلا أن الإستبداد السياسي الذي عاشته البلد لإثنين وأربعين عاما أهالت ركاما هائلا على تلك القيم فحجبتها وعطلتها وأخمدت فورتها وقلّصت من تأججها حتى جاء الحدث الذي أزال ذلك الركام في لحظات! ويبقى هذا دليل على أصالة هذا الشعب العظيم الأمرالذي شهد به كل أحرار العالم.
[3]  من بين الصفحات التي طلت وهلّت علينا صفحة (سيدات ليبيا) مما يعكس المشاركة النسوية في صنع الثورة وأحداثها وإحداثياتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق