الاثنين، 23 مايو، 2011

بقلم: د. فتح الله عمران المسوري : نحـو وعي دستوري، ونافذة علي الدستور الجديد (1)





بقلم: د. فتح الله عمران المسوري
أستاذ القانون بجامعة جورج واشنطن/
ورئيس المكتب السياسي والقانوني لاتحاد ثوار ليبيا،
بالولايات المتحدة الأمريكية

هذه سلسلة من المقالات سبق نشرها منذ عدة سنوات، في موقع آخر تحت اسم مستعار، لدواعي أمنية. وقد رأيت من واجبى في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا الغالية ليبيا – وباعتباري صاحب حق في هذه المادة - أن أقوم بإعادة نشرها وتنقيحها وإكمالها، لعلها تنير الطريق أو تعين واضعي الدستور الليبي الجديد أو الميثاق الوطنــي، وتساهم في نشر الوعي والثقافة عن القضايا الدستورية بين عموم الشعب الليبي، لأن مرحلة تطهير البلاد نهائيا من نظام حكم القذافي الغاشم المستبد، واستتباب الأمن في ربوعها قادمين لا محالة، وعما قريب بإذن الله.
 لقد انتظر شعبنا الأبي،وطال شوقه لأربعة عقود متتالية لهذه اللحظات الحاسمة التي سيحقق مراده الأول ويجني ثمار صبره وكفاحه ضد الظلم والطغيان، وذلك بتحقيق دولة دستورية، ومجتمع مدني متحضر، يسوده الأمن والحرية والسلم السياسي والإجتماعي والإقتصادي، هذه المطالب قد تتحقق إما بإصدار دستور دائم، وطرحه للأستفتاء الشعبى، أو بتبني ميثاق وطني مؤقت.
وقبل الدخول في عرض المبادئ الأساسية المتعارف عليها للدساتير بصفة عامة، رغم حقيقة تباينها من دولة لأخري، وعرض مقترحات وآراء حول الرأيا الدستورية المستقبلية بعد أن تتحرر ليبيا بالكامل بإذن الله، رأيت أنه من الأفضل إعطاء فكرة عامة للقارئ تمثل مقدمة لبعض المسائل المتعلقة بالفقه الدستوري قبل الدخول في المبادئ الأسسية له.
مقدمــة
منذ انقلاب الأول من سبتمبر لعام 1969 واستيلاء معمر القذافي على السلطة في ليبيا وإعلانه قيام الجمهورية العربية الليبية، وإسقاط النظام الملكي، وإلغاء الدستور والمؤسسات الدستورية، والشعب الليبي يعيش تحت حكم السلطة العسكرية، وفي حالة من الفوضى المدنية والسياسية، والاضطراب والإرهاب، وإهدار للحقوق والحريات العامة.

إنطلاقا من المبادئ السائدة بأن الإنسان ولد حرا، ولذا وجب أن يعيش حرا في حدود القوانين المشروعة والعادلة، وألا يتم استعباده ووضعه رهن القيود، وفي غياب مشروعية حكم نظام القذافي، عاشت البلاد خلال تلك الحقبة المظلمة، في حالة من التخلف والتأخربجميع صنوفه وأشكاله، فخلال العقود الأربعة الماضية، غاب الدستور الذي يلجم تعسف الدولة وسطوتها علي حريات الشعب وحقوقه، وتدنى مستوى التعليم، ومستوى المعيشة لدرجة لم يسبق لها مثيل، وانقطعت سبل العيش الكريم بأبناء الشعب، وانتشرت البطالة بين الشباب[1]، وانخفض معدل الأجور، وبقيت على ما هي عليه منذ سنين عديدة، وأصبحت المرتبات تدفع لمستحقيها بعد ثلاثة أشهروأحياناً تزيد عن ذلك، كما تم تضييق الخناق على حرية الناس في ممارسة النشاطات الاقتصادية الخاصة.

وفرض القذافي حصاراً محكماً على الشعب الليبي منذ عام 1973 واستفرد بالحكم،   وحرمه من أبسط حق من حقوقه ألا وهوالتمتع بحرية التنقل والسفر وممارسة الأعمال والمهن الحرة، حتي طالت مهنة المحاماة الحرة، دون أسباب وجيهة ومشروعة، وبدون تشريع يمنع السفرأوالاتجار الحر، ووفق شعارات جوفاء، وقرارات عشواء، وحتى لا يحسب عليه، كان المنع من السفر والحرمان من الحقوق الأخرى، أو القبض والحبس بشكل تعسفي، يتم في شكل تعليمات يصدرها القذافي شخصياً لأجهزته التنفيذية وتحولها إلي قرارات، ثم تقوم بدورها بالمنع أو بتقييد تلك الحريات دون حسيب أورقيب.
 
ونظرا لغياب حكم ديمقراطي يسمح بانتقال السلطة، ويَجُبُّ ارتكازها وانحصارها بيد حاكم واحد، حتى لا تتبدل إلى حكم مستبد مستأثر بالسلطة مدى حياة القذافي – وربما لذريته من بعده –، بدأت حركات المعارضة لحكمه الفوضوي تظهر علي الساحات الداخلية والخارجية منذ منتصف السبعينيات، بدأت بالحركات والتنظيمات الطلابية[2] وتلتها حركات المعارضة الأخرى، التي أعلنت مطالبها، منادية بالحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون، ووضع دستوردائم للبلاد، يكفل تلك الحريات ويحميها، ويضع قواعد لتنظيم ممارسة السلطة وانتقالها، حتى تؤدي هذه القواعد دورها الهام والحيوي بوضع قيود قانونية على السلطة الحاكمة وأجهزتها، والحد من تجاوز حدودها واعتدائها على الحقوق والحريات المقررة للمواطن الليبــي، وذلك إيمانا من هذه التنظيمات بضرورة التغيير، ولما لهذه القواعد الدستورية من القوة والأساس ما يجعلها قادرة على ردع ورد الحاكم والسلطة الحاكمة إذا تجاوزت حدودها المقررة شرعاً، ذلك أن السلطة القضائية – التي يفترض فيها الاستقلال والحياد- تتولى مهمة وضعها في الميزان والتصدي لأي مخالفة قد تقترفها السلطة الحاكمة أو أجهزتها خلافاً للقانون والدستور.

تعد الحقوق والحريات العامة من أهم مطالب الفرد، فهي إلى جانب كونها متعلقة بحياة الأفراد في الدولة، هي أيضا متعلقة بنظام الحكم في ذات الدولة، هذه الحقوق والحريات تمثل أصلاً الوثائق الدستورية التي يمكنها الوقوف والتصدي لطغيان السلطة وطغيان الحاكم وطغيان حكم الفرد، ولما كان القذافي يدرك تماماً هذه الحقيقة فقد فرض نفسه وأساليب حكمه للبلاد بالقوة والتسلط وبالحديد والنار، ورفض إخضاع الحكم في البلاد لنظام دستوري دائم يكفل تنظيم السلطة وانتقالها، وقدم بدائل وأنظمة فاشلة هدفها نشر الفوضى السياسية في إدارة الحكم وضرب فئات الشعب بعضها ببعض، مثل تعطيل القوانين، واللجان الثورية واللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية الأساسية والاتحاد الاشتراكي، والنظرية العالمية، وغيرها، كما يهدف من ورائها أيضاً إلى اغتيال الديمقراطية والحقوق والحريات العامة للمواطن، لتوافق تلك النظريات والأساليب الجديدة التي يوهم الشعب بأنه يقدمها كأسلوب جديد ونظريات بديلة في الحكم والإدارة، وخلق الواقع السياسي الذي يخطط له ويهدف لتحقيقه مهما كلف الأمر.

وهنا أكرر القول بأن الهدف الأساس من هذه الدراسة هو محاولة متواضعة لنشر وزيادة الوعي السياسي والقانوني للمواطن الليبي داخل ليبيا وخارجها، فهي ستشمل دراسة الشؤون المتعلقة بالقانون الدستوري وأساليب نظام الحكم، مع محاولة تطبيقها -كلما أمكن- على الأوضاع التي كانت سائدة في ليبيا في ظل حكم القذافي، كما أنها ستكون نقطة البداية لتقديم مقترحات دستورية للمرحلة التالية للإنتصارالثوري وتحرير ليبيا، ولكن قبل ذلك سنلقي الضوء على أمور رئيسية أخرى منها:

- مفهوم الدستور: طبيعته وتطوره، ويشمل التعريف بالدستور والقانون الدستوري ومميزات الدستور المكتوب، والرابطة القانونية بين الشعب والحاكم في الدولة.
- نشأة الدساتير، كيفية وضعها وطرق تعديلها وتدوينها.
- رقابة دستورية القوانين وآثار انتقالها، الرقابة السياسية والقضائية وكيف تمارس المحاكم الليبية دورها بحرية في تلك الرقابة في ظل الدستور الجديد.
- السلطة السياسية ، تطورها وتنظيمها ومبدأ سمو الدستور.
- المبادئ الأساسية للحقوق الفردية أو الحريات العامة ، تطور مفهومها وآثار تقييدها. وكيف قام نظام معمر القذافي باغتيال الحقوق والحريات العامة للشعب الليبي ونكرانها.
- تقييد سلطان الحكام: أسلوبه ووسائله ، الأسلوب السياسي، الأسلوب الاقتصادي ، الأسلوب غير الديمقراطي لإسناد الحكم.
- بيان الأسباب والآثار التي ترتتبت علي إبقاء القذافي للدولة الليبية بدون دستور عقب انقلاب سبتمبر.

ومن هذه الدراسة سنحاول وضع تصور عام وشامل لدستور مستقبلي - بعد الإطاحة بحكم القذافي بإذن الله وعونه- يضمن انتقال السلطة ويحمي الحريات العامة للشعب الليبي ليعيش حياة حرة كريمة.
دكتوراه وماجستير في القانون/ جامعة جورج واشنطن
ماجستير في القانون المقارن/ جامعة هوارد/ واشنطن العاصمة
------------------------------------------------------------
[1] علما بأن العديد من الوظائف والمهن الأخرى يشغلها أجانب من جميع الجنسيات رغم وجود عناصر بشرية ليبية تفوق مستوى المستخدمين الأجانب.

[2] بدأت الثورة الطلابية عام 1974 ، التي جرت مواجهتها باقتحام عناصر اللجان الثورية لجامعة بنغازي واعتدائها على الطلاب بالضرب والقتل والاعتقال.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق