الأحد، 24 أبريل، 2011

عبد السلام الزغيبي : القذافي.. نيرون الجديد يبعث من ليبيا

يحكي صديقي خالد التونسي في مجموعته القصصية الصغيرة (قمر على شفاه ماريا) عن تجربته في بيروت أثناء الاجتياح الإسرائيلي في عام 82 فيقول:" كنا نسكن ضاحية ابو سهل المجاورة لمخيم صبرا وشاتيلا. تسللنا فجرا قبل حدوث المجزرة بأيام قليلة، بناء على طلب الأصدقاء. حيث أصيب المبنى الذي كنا نقطنه بعدة قذائف. ولم يعد صالحا حتى لإيواء القطط أو الكلاب الشاردة.
لا ماء، لا كهرباء، ولا خبز، ولا ملاجئ، لا شيء سوى حرب مجنونة تقودها أيديولوجية مجنونة مدمرة للإنسانية.

ويضيف خالد في مقطع آخر من القصة:" وصلنا مفترق بلدة ( خلدة) حيث دارت معارك ضارية بين مقاتلي المقاومة الوطنية في مواجهة قوات شارون. آثار المعارك لا تزال على الأرض، جثث ملقاة على الأرض، سيارات عسكرية محطمة، هواء مشبع برائحة البارود، حطام ،حطام".

هذا ما فعله شارون في بيروت. أما فعله التتار في بلاد الشام سنة 657 فكتب التاريخ تقول:"

وتواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو ، وجاوزوا الفرات على جسور عملوها ، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة فحاصروها سبعة أيام ، ثم افتتحوها بالأمان ، ثم غدروا بأهلها ، وقتلوا منهم خلقاً لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، ونهبوا الأموال ، وسبوا النساء والأطفال ، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد ، فجاسوا خلال الديار ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .


وهذه الحكايات ليست بعيدة عما يرويه شاهد عيان من اجدابيا هو الدكتور حمزة عماد الدين. عن فضائع شارون الجديد وهولاكو العرب ونيرون ليبيا( معمر القذافي)..إذ يقول..


:"بين نظرات الفزع و الذهول التي تطل من أعين الهاربين من جحيم القتال في مدينة أجدابيا، كأنهم لا يصدقون أنهم خرجوا أحياء بعد القصف العنيف الذي عانت منهم مدينتهم، و الذي أدى إلى امتلاء ثلاجة المستشفى بالجثث، و اضطرار طاقم الإسعاف و التمريض المتبقي إلى وضع الجثث في قسم الأشعة والأقسام الأخرى .


ما حدث في اجدابيا خيالي ، وهو أن جيشا كاملا قد واجه مدينة كاملة من المدنيين الذين تسلح بعضهم بأسلحة خفيفة، ليحاول اختراق مدينتهم ، بهجمة مباغتة مفاجأة ، بمعاونة أعضاء اللجان الثورية " الطابور الخامس " التابع للقذافى ، ليهزموا شر هزيمة منكرة ، ليتحولوا إلى تكنيك الأرض المحروقة ، فحاصروا المدينة وأمطروها بوابل متواصل من صواريخ جراد التي لم تتوقف لأيام ، ثم القصف المتواصل المدفعي بالمدافع و الدبابات و الصواريخ على الأحياء المنعزلة عن المدينة ، محولة إياها إلى حطام . ليهجرها من تبقى حيا من سكانها إلى منتصف المدينة .

" لقد ضربونا في المسجد " هكذا صرح لي أحد أهل اجدابيا الفارين " لقد اقتحموا المسجد بعد قصف عنيف متواصل عليه ليبدؤوا في إطلاق الرصاص بشكل عشوائي على المتواجدين به "، " كنا جميعنا تقريبا غير مسلح " .

مستشفى مدينة إجدابيا، تم إخلاء معظم المصابين منه على عجل إلى مدينة بنغازي في سيارات خاصة مملوكة للأهالي ليتركوا المصابين بإصابات خطرة و المرضى في العناية المركزة، كما غادر أيضا الأطباء و التمريض كلهم تقريبا تاركين عددا من الأطباء المتطوعين و الممرضين منهم 3 ممرضين مصريين رفضوا مغادرة المستشفى .

الكل في مدينة إجدابيا عانى من نسخته الخاصة من الفزع، و الرعب، ولكن المستشفى أيضا عانت معاناتها الخاصة التي لم تتوقف عن جلب الموتى والمصابين في كل ساعة ، كأن قوات القذافى لم تتوقف عن إطلاق الرصاص و كأن قناصتهم لا يعرفون النوم ، " فلا تكاد تمر ساعة إلا و يحضر لنا مصاب أو شهيد من رصاصة قناصة ، أو أفراد أسرة واحدة أصاب منزلها القصف العشوائي لصواريخ جراد – راجمات الصواريخ – " هكذا قال أحمد . س فني المعمل بمستشفى اجدابيا الذي هرب مع أسرته ، إلى بنغازي ، متابعا ، " لقد اقتحموا المستشفى للبحث عن المصابين و أعدموا بعضهم ، خصوصا المصابين بالرصاص و الطلقات النارية سواء كانوا مسلحين أو مدنين لم يحملوا سلاحا و أصيبوا بالرصاص " .

السكان الهاربون من اجدابيا يؤكدون حدوث مذابح بشعة هناك و جرائم ضد الإنسانية ولكن لا يوجد صحفيين و لم يتسرب شيء من المدينة المحاصرة التي سمح للهاربين فيها بالنزوح بأهاليهم فقط، فقوات القذافى كانت تفتش الهاربين بحثا عن كروت الذاكرة و ملفات الفيديو و الصور على الهواتف المحمولة كما كانت تفتش عن الأسلحة أيضا و الإصابات التي أصيب بها أصحابها في المعركة .

اجدابيا التي حوصرت وقصفت بطريقة همجية من قبل كتائب القذافي لعدة أيام متتالية ، أدت إلى تقتيل وتشريد المئات من سكان المدينة الذين نزح العديد منهم باتجاه مدن ومناطق المنطقة الشرقية ، فيما بقي العديد منهم محاصرون داخل المدينة أو ممن آثروا البقاء في بيوتهم رفضاً للنزوح والفرار".هكذا كانت رواية الدكتور حمزة...


لم أتخيل في يوم من الأيام أن يروي أهلنا في اجدابيا قصصا مروعة مثل الذي شاهدتها وشاهدها الملايين من أمثالي في الشريط الذي عرضته إحدى القنوات الفضائية بعنوان ( فارون من اجدابيا يروون مشاهدتهم عن انتهاكات كتائب القذافي) وهي حكايات تقطع الأكباد. وهذه الحكايات عن فضائع كتائب القذافي لم تقتصر على مدينة اجدابيا بل هناك حكايات أخرى مروعة من مدينتي الزاوية ومصراته، حيث قصف الأحياء السكنية من مستشفيات ومساجد وانتشار القناصة، ونبش قبور الثوار، وقطع الماء والكهرباء والتلفون عن هذه المدن المحاصرة يتم بشكل روتيني.



فظائع شارون الجديد وهولاكو العرب ونيرون ليبيا( معمر القذافي) الذي وعد الشعب الليبي بالمذابح ونفذ وعيده دون أن يرمش له جفن..! عبر عنها الشاعر الليبي.. علي عبد الشفيع الخرم في قصيدته( هولاكو العائد) قبل أن يقدم القذافي على فعلته هذه.. وكأنه يتنبأ بما سوف يحدث..

يقول الشاعر في قصيدته:

أجل قد عاد هولاكو
بذات الخلقة الشوهاء
والوجه المشقق بالندوب
كأنها الجدري
بذات الخوذة القرنية النكراء
يقود جحافل التتر
يجوس بهم فجاج
تدميرا وتنكيلا
ويعمل سيفه في العزل الضعفاء تقتيلا
ويملأ هذه الأكوان
بروح العسف والطغيان

هنا يصور الشاعر صورة تذكرنا بفترة تاريخية بارزة، فترة غزو التتار لبلاد المسلمين، والمآسي التي صاحبت هذا الغزو من تقتيل وتشريد وحرق وتدمير.ويصف هيئة هولاكو
البشعة المنفرة، ووجه المشوه بالحفر، كأنه مصاب بمرض الجدري،كم صوره لنا في زيه المميز بخوذة يعلوها قرنا ثور وحشي، كرمز للوحشية والقوة التي أراد أن يظهرهما.

ثم يصوره لنا وهو يتقدم جحافله الفتاكة التي تفسد في الأرض ،وتنشر الدمار، ونكل بالبشر، فتحيل الكون كله إلى التعسف والطغيان:

أجل قد عاد
تؤجج قلبه الأحقاد
يقود خطاه..
وهو كاذب خادع
فيمضي ماله رادع
يدمر ما حوت بغداد
ويلقي في مياه النهر
عصارة فكرة الإنسان
ليجعل من صحائفها له جسرا
لتبلغ عبره أقدام العسكر
تراب الضفة الأخرى

وهو هنا نراه يرسم صورة تتطابق مع هولاكو العصر الذي عاد ممتطيا صهوة الماضي، ومن خلال الصفات الكامنة فيه، يؤكد عودته بتلك الصفات نفسها فقد جاء مشحونا بالأحقاد تملأ قلبه نزعة الانتقام الأعمى، ويسبق الكذب والخداع خطاه، هدفه، تدمير ليبيا، وغايته وأد فكرة الإنسانية، ليدوس عليها تحت قدميه، ومن ثم يتبعه جنده، وهذا ما يفعله هولاكو العصر( القذافي) بالضبط، لا فرق بينه وبين هولاكو، إلا الزى والزمن، فكلاهما يحارب الصدق وينحر الحرية في سبيل أمجاده وهواه:

أجل لقد عاد هولاكو
بزي العصر
ليخمد كل صوت حر
ليذبح كل حرف
لاهج بالصدق
يعري وجه الساطع
بنور الحق
ما يخفيه ليل اقهر
ليجعل من جماجمنا
إلى الأمجاد أسبابا
ليبلغ مطمعا في النفس كذابا.


مراجع:
*خالد التونسي/ قمر على شفاه ماريا/ إصدار جريدة الضفتان
*مجلة الثقافة العربية/عدد 268-2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق