السبت، 30 أبريل، 2011

محمد عقيلة العمامي :رسالة إلى فخامة الرئيس باراك أوباما

   بعد التحية


  أريد ، أولا ،  أن أحييك وأشكرك على  تقريرك أن : " أن القذافي  بات تاريخا ! " وأريد من فخامتكم أن تعلموا أننا  شعب يحب الحرية ، ومن أجلها قدمنا آلاف من الأرواح الشابة  قربانا لها ،  وسوف نشيد نصبا كبيرا في بلادنا يخلدهم ..  ونحن نعرف أنكم شيدتم لها تمثالا في مدخل بلادكم ، صار رمزا عالميا لها .

 نحن ، إذن ، متفقون  ، ولهذا السبب ، أطمع في رحابة صدرك  وحسن تفهمك لرسالتي المتواضعة هذه . ولأنني متخيل  حجم مسئولياتكم ، سوف  لن أطيل عليكم !

أعترف ، أولا ،  أن فكرة :  ( الفوضى الخلاقة ) ، التي تناولتها عدد من صحفكم  المؤقرة ، لم أستوعبها تماما ، لا أنا ،  ولا كثيرين من مستنيري ليبيا الحرة ، أما ليبيا الأخرى التي صارت تاريخا لابد أنها تعرف هذا المصطلح ، لأنها – دائما – تعرف كل شيء ! وتفسر كل شيء وتقرر كل شيء وفق أهوائها ومصالحها !!  ثم  أن فخامتكم تعرفون كيف أن هذه  الأسرة المجنونة التي حكمتنا بالحديد والنار طوال اثنان وأربعون عاما حرمتنا تماما من مواكبة العصر ، وفهم نظرياته ومصطلحا ته الحديثة  ، بل تفسرها لنا  وفق ما تريد هي وليس مثلما ابتكرت من أجله !



 ولكننا – يا سيدي – نعرف فحوى وفلسفة ( خطبة الوداع ) خاتمة خطب بطل استقلالكم الرئيس جورج واشنطن ، التي هي في مجملها  نصائح قيمة إلى أية حكومة  تحكم أمريكا  ، ونعرف ، أيضا ،  أنكم تعتزون بها ، وتتخذونها نبراسا ، يعينكم  على التعامل مع هذا العالم العجيب ، الذي جعله علمائكم  مجرد قرية صغيرة  ، عند تقاطع شوارع العالم .  نحن نعرف ماذا حدث من كوارث لحكومتكم التي انجرت وراء تطلعات أوربا ، مثلما حدث في فيتنام ، ولكننا تعرف أيضا فزعة الولايات المتحدة  لبوسنيا التي لولاها لما انتهت المجازر الصربية ، ونعرف أيضا امتنان الإنسانية كلها لموقف أمريكا المشرف ، الذي أنهى مجازر تلك الحرب العرقية الرهيبة .

 إن خطبة البطل جورج واشنطن واضحة وضوح الشمس  ، غير أنه لا يخفي عليكم أن التجارة من دون حدود ، تحتاج بطريقة أو أخرى إلى سياسة تتسع لتتناسب وحجم التجارة المثمرة التي نصبوا معا إليها  . بطل استقلالكم  يقول  :

(( أن القاعدة الأساسية التي ينبغي أن تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الدول الأجنبية يجب أن تكون كما يلي :

-         توسع  بقدر الإمكان في علاقة أمريكا التجارية مع الآخرين ، وتحفظ بقدر الإمكان في علاقاتها السياسية .  وذلك يعني  تجارة من غير حدود ، وسياسة في أضيق الحدود .

-         ينبغي أن نعرف أن لأوربا  عدد من المصالح الأساسية ، التي لا علاقة لنا بها على الإطلاق   لا من قريب ، ولا من بعيد .

-         إن أوربا كانت ، وستبقي مسرحا تقلبات واختلافات في وجهات النظر لا شأن لنا بها ، ولا تعنينا على الإطلاق . وهي غريبة عن سياستنا وثقافتنا ، وليس من الحكمة أن نتورط فيها أو تجرنا  إلى صراعات سياسية  لا تهمنا أبدا ، ومن ثم تورطنا في مشاكل وعداوات  لن نجد لها مبررا . ))

        وأغلب جيل ليبيا ، الذي بدأ وعيه من أيام النقطة الرابعة  ومعوناتها  ، من جوالات القمح  ، الممهرة  بالكفين المتصافحتين ، ومن منشآت خدمية تعليمية أمريكية  انتشرت هنا وهناك ، تعلوها إعلانات المصالح المشتركة  ، والمعهد الثقافي الأمريكي  ، أعني ذلك الجيل الذي بدأ وعيه السياسي مع  بدايات ستينيات القرن الماضي ، الذي حيرته كثيرا فكرتي الشيوعية والإمبريالية  ، ولكنهم أنبهر بفكرة القومية العربية ، غير منتبهين إلى ضرورات يفرضها  الواقع الجغرافي والديموغرافي !  وعلى الرغم من هذه الحيرة التي عمت شباب ما زالوا حينها في بداية طريقهم  ، إلاّ أن ميزان المؤشرات كان دائما يميل لصالحكم ، بل حتى ما قيل ، فيما بعد ، عما كان يحدث في قاعدة ( هويلس ) كان مبالغ فيه ، ولم يكن أبدا  بالفظاعة التي صورها لنا العهد الذي كان متسلط علينا ، ولعل ما يهون الأمر  أنه ساوى بينكم  وبين العهد الملكي السنوسي ، الذي لم نر منه إلاّ كل خير .

        إن علاقتكم بالشعب الليبي  ، التي كان آخر عهدي بها ، عندما خصصت الجامعة الليبية مسئول منكم يوجه خرجينا للدراسات العليا في أمريكا ، وكم كنت أتمنى حينها أن أتمكن يوما ما لتقديم أوراقي إليه ، ولكنني لم استطع ، بسبب ظروفي العائلية ، غير أنني ، وبسبب تشجيعه المستمر ، قدمت إلية أوراقي ، فقد كان مكتبه ملاصق لمكتبي ، إذ عينت ، مباشرة بعد تخرجي ، مسجلا لكلية  الطب ، ولم يطل الأمر حتى جاءني  بورقة القبول بجامعة ويستكونسن ولكنني لم أتمكن من السفر لأسباب يطول شرحها .

 هكذا  كان الوضع ، إذن ، ولعل رجالكم المنتشرين – هذه الأيام -  في كل مكان ، اكتشفوا   أن ثمة جيلا  يرى فيكم  سبيل الخلاص من محنته ، من دون انتظار   حالة ( الفوضى الخلاقة ) ، التي نرى أنه لا  ضرورة لحدوثها ، لأن – يا سيدي -  حكم القذافي أنهكنا تماما ،  وحربه علينا خلقت حالة من الريبة بين الحاكم والمحكوم ، وفي تقديري أنها ستظل شبحا مرعبا يلازم الناس طويلا من قبل أن تتخلق شخصية الليبيين  الفطرية الحقيقة . غير أن الشيء المؤكد أن تجربتهم مع حماقة عهد التسلط  السابق سوف تظل طويلا منبه قويا ضد كل من يحول أن ينفرد بسلطة على شعب تجربته السياسية بسيطة   بساطة الشعب الليبي .  

 أشعر أنني أطلت في مقدمة هذه الرسالة ، من دون أن  أدخل في صلب الموضوع مباشرة ، فماذا أريد أن أقول لفخامتكم ؟ 

    حسنا !
نحن - ياسيدي -  مثلكم على نحو ما ، كل ما نريده هو تجارة غير محدودة  ، وتحفظ  إلى أبعد الحدود في السياسة ! والسبب بسيط للغاية : أن النشاط  الذي يناسب بلادنا هو النشاط التجاري ، وإلى حد ما النشاط الخدمي  بسبب  الطقس المعتدل في ليبيا طوال العالم وقربها من أوربا ، فليبيا كانت منذ أقدم العصور طريق القوافل من الجنوب إلى الشمال ، ومن الشرق إلى الغرب ، أما النشاط الصناعي فهو محدود للغاية بسبب قلة المواد الخام والماء ! ذلك إن استثنينا ما قد يقوم على البترول من صناعات محدودة . أما عدم توفر المواد الخام ، والماء والأيدي العاملة الرخيصة  ، أمر يعرفه الناس ، بل هناك دراسات أمريكية أعدت قبل انقلاب 69 تؤكد هذه الحقيقة ، مثلما بينت مخزون المياه بالكفرة ، الذي جعل منه النظام السابق مشروعا دعائيا تكلفته تفوق توريد مياه معدنية من نبع ( إيفيان) الفرنسي ! الليبيون يعرفون هذه الحقيقة  .  أن ما قام به النظام ( المعفن ) السابق من مشاريع صناعية  ، هو ببساطة شديدة إعلانات  دعائية لتحسين صورة القذافي ، الذي كل ما كان يريده منها  هو  أن تلتقط صور له بالمناسبة وهو يقص شريط افتتاحه  ، والدليل على ذلك ، أنه  لم يعش مشروع واحد  قص القذافي شريطه . وهكذا كما ترى ليس ثمة تعقيدات تجارية واسعة ، تأخذنا إلى مشاريع ذرية ، أو تسليح لا مبرر له ... لا أعتقد أن مشاريعنا المستقبلية   تتعدى  محطات تحلية مياه ، ومنتجعات سياحية وطرق ، وموانئ صيد  ،ومدارس ..ومستشفيات ، وأسواق مالية ،  ومدارس .. مدارس كثيرة  جدا ومعاهد تقنية وجامعات حقيقية  ، ونوادي رياضية  ليس أكثر من ذلك .

أما الجانب السياسي .. فنلخصه ببساطة في أننا : " نسالم من يسالمنا ، ونسالم من يسالمنا أيضا " فلا وقت لدينا للعداء ولا للحرب ، فيكفينا عداء استمر طوال أربعون عاما ، مع العالم كله من دون استثناء ، وبشكل جنوني ، ولا أدرى كيف أن  العالم لم ينتبه إليه ؟ ولاشك أنكم انتبهتم  أن القذافي فقط هو الوحيد في العالم الذي  : أظهر عداء شديد للفلسطنيين ، تماما مثلما أظهره للإسرائيليين !! وتلك كما ترون حالة شاذة تنم عن انفصام واضح في الشخصية !

و ليس هناك دولة واحدة  لم يعاديها القذافي ، شرقية كانت أم غربية  أما حروبه الخاسرة : من تشاد إلى مصر ،إلى أوغندا  ولماذا نذهب بعيدا ، فالعالم اكتفى   بهذه  التي شنها على شعبه أمام أنظار العالم كله !

لم يكن لدينا ، منذ الفتح الإسلامي لليبيا ، أي تطرف ، بل ليس في ليبيا أكثر من مسلمين سنيين .. التطرف بدأ في عهده ، وسوف ينتهي بانتهائه .  وليس لدينا صراعات عرقية خطيرة فالشعب الليبي ، لم ينتبه إلى حاجة الأمازيغ مثلا إلى تدريس لغتهم إلاّ في عهد القذافي ، بل أن الأمازيغ أنفسهم لم يشعروا يوما أنهم خارج نطاق الليبيين ، كانت الحكومات الملكية التي اعتدى عليها القذافي لم تضف أيه كلمة من شأنها أن تخصص ليبيا لعرق دون غيره : المملكة الليبية فقط ، من دون أي تخصيص ، بل بكل حكومات هذه المملكة  وزراء ينتمون للأمازيغ مثلا ! عهد القذافي فقط هو الذي زرع هذه الفتنة وجعل منها قضية وورقة مساومة .. لم ينتبه أحد إلى فلان من القبيلة الفلانية ، وذاك من الأخرى أو هذا أمازيغي ، وذاك من الطوارق ،أو التبو  إلاّ في عهد القذافي ، الذي نعرف جميعا أن مبدأ فرق لتسد ، كان من أساسيات حكمه  ليبقى المتسلط الأوحد !

فيا سيدي لم  انتظاركم لنتائج الفوضى الخلاقة ؟  فكل شيء واضح ، لا يحتاج إلى هذا العدد الهائل الذي تدفعون به إلى ليبيا ليأتيكم بالخبر اليقين ، إن ما ترونه ليس غموضا ، وإنما بساطة شديدة ، فلا تقيموا الأمور بغير واقعها ، ليس هناك ما يخفيه المجلس الانتقالي الوطني ، كل ما يسعون إليه هو استئصال  القذافي وعائلته، وكتائبه ولجانه من على فروة رأس الشعب الليبي ، الذي عشش فيه طوال اثنان وأربعون عاما ، مثلما يعشش القمل القمي في شعر صبي جميل الطلعة قُطعت أنامله  ! وأنا – ياسيدي – آسف على مثل هذه التشبيهات المؤلمة لأنني مهما صورت لن أعطي ما مرت به ليبيا من بؤس وظلم وتطاول ، واستهتار وذل عندما كان القذافي وأذنابه يخنقون ليبيا العظيمة .

الليبيون ، يريدون أن يعيدوا بناء ليبيا ، كما ينبغي أن تكون الدولة الحديثة الديمقراطية المدنية ، ويحتاجون إلى فزعة منكم . وسوف يكونون شركاء جيدين للغاية ، فهم تعلموا منذ زمن موغل في القدم  : أن الأساس في علاقات الشعوب : تجارة ( وثقافة ) أكثر  ، وسياسة أقل ! أليس هذا هو رأي البطل جورج واشنطن ؟



                                                            محمد عقيلة العمامي

                                                               20/4/2011      

هناك تعليق واحد:

  1. الله المستعان مازال الايمشي وتقبل رجل
    خلي توكلك علي الله اذا كنت مؤمن بالشي الي تكلم عنا
    كل شي بيد الله مش بيد اوباما والا غيره

    ردحذف