السبت، 26 مارس، 2011

فهمي هويدي : أكذوبة الفلول المتربصة


 ليس جحا وحده الذى أطلق أكذوبة وصدقها. نحن فعلنا ذلك رغم أننا لا نعرف بالضبط من الفاعل. ذلك أننا استيقظنا ذات صباح على أخبار نشرتها بعض الصحف المصرية عن أن الحزب الوطنى تم إحياؤه وإخراجه من العدم. أكثر من ذلك أنه عقد صفقة مع الإخوان، ضمن استعداد الطرفين لخوض الانتخابات التشريعية القادمة، وانتشرت الشائعة لدرجة أن كثيرين تعاملوا معها على أنها حقيقة. بل إنها انطلت على بعض زملائنا حتى كتب أحدهم أن الطرفين أصبحا «يدا واحدة»، وردد آخرون الفكرة حتى بدا وكأن ذلك هو شعار المرحلة القادمة، الذى صار بديلا عن الهتاف الذى تردد إبان الثورة وتحدث عن أن الشعب والجيش يد واحدة. ولم تمض أيام قليلة حتى تحولت القصة إلى مادة لسيل من التعليقات على شبكة الانترنت، التى حفلت بالاستهجان والتخويف والتندر.


جحا كان ساذجا وعبيطا حين صدق أكذوبته. لكن الأمر ليس كذلك بالضرورة فى الحالة التى نحن بصددها. ذلك أننى لست واثقا من دوافع الذين أطلقوا شائعة إحياء الحزب الوطنى وروجوا لها. فلست أعرف على وجه الدقة ما إذا كانوا قد توهموا شيئا من ذلك القبيل فتحدثوا به، أم أنهم اختلقوا القصة لمضاعفة جرعة التخويف من الإخوان، الذين اعتدنا على استخدامهم كفزاعة طول السنين التى خلت. لكن الذى أعرفه جيدا أن المعلومة خرجت إلى النور وتم تداولها، وصارت منطلقا لمواقف الذين أرادوا التدليل على تحرك الثورة المضادة أو تصفية حسابات البعض مع الإخوان.

لست فى وارد الحديث عن فزاعة الإخوان، ليس فقط لأنهم أولى بذلك الحديث، ولكن لأننا ألفنا ذلك العفريت، وعرفنا طبعه وحدوده. لكنى معنى بفزاعة الحزب الوطنى لأننى أزعم أن الكذب فيها أوضح وأصرح. على الأقل فالإخوان حقيقة فى حين الحزب الوطنى وهم. إلى جانب أن الإخوان جماعة لها مشروع أما الحزب الوطنى فهو يضم جماعة منتفعين فى المقام الأول، والتمسك بالسلطة واستثمارها هو المشروع الحقيقى للذين التحقوا به فضلا عن الذين قادوه.

لقد سقطت الشيوعية حقا مع انهيار الاتحاد السوفييتى، لكن الأحزاب الشيوعية مازالت موجودة لأن لها أيديولوجية نتفق معها أو نختلف، أما الحزب الوطنى فليس لدى أهله ما يدافعون عنه سوى السلطة التى خرج الحزب من عباءتها. وهذه السلطة انهارت فى مصر ولا سبيل إلى عودتها. خصوصا فى ظل الفضائح المروعة التى نسبت إلى أركانها، ولاتزال حقائقها تتكشف ــ وتصدم الناس ــ يوما بعد يوم.

إنهم يتحدثون عن «فلول» الحزب الوطنى. وتشير الأصابع فى هذا السياق إلى عدد غير قليل من رجال الأعمال الذين مولوا أنشطة الحزب، لكن هؤلاء أنفسهم هم الذين تسابقوا على نهب البلد وامتصاص دمائه. وإذا استثنينا عددا لا يجاوز أصابع اليد الواحدة ممن شاركوا فى الحزب من باب الوجاهة الاجتماعية والسياسية، فإننا لا نبالغ إذا قلنا إنه فى سمته الغالب كان تنظيما عصابيا بأكثر منه تنظيم سياسى. صحيح أن تلك «الفلول» لا تملك سوى سلاح المال، حيث لا فكر لديها ولا يحزنون، وقد يخطر على بال البعض أنهم يمكن أن يستخدمونه إما لترشيح أنفسهم أو ترشيح من يمثلهم فى الانتخابات القادمة. لكن هذه الحجة مردودة من وجهين؛ الأول أن الحزب الوطنى ساءت سمعته لدرجة أن أحدا لا يجرؤ أن يترشح عنه أو يوحى بأنه ينتسب إليه. الوجه الثانى والأهم الذى ينساه كثيرون هو أن المواطن المصرى تغير، فأصبح أوعى وأشد جرأة وأكثر إحساسا بعزته وكرامته. أعنى أنه لم يعد ذلك الساذج الذى ينساق وراء الكلام المعسول واللافتات البراقة. ولا بقى ذلك المنكسر والملهوف الذى يمكن شراء صوته ببضعة جنيهات. لا أدعى أن الـ84 مليون نسمة صاروا كذلك، ولكننى أزعم مما أراه حولى أن ما أقوله ينطبق على الأغلبية الساحقة من المصريين. إننى أتوقع أن يفضح على الفور أمر كل من يحاول أن يشترى الأصوات أو أن يتخفى وراء الشعارات البراقة ليخدع الناس. ذلك أن الأعين باتت مفتوحة للغاية على جميع الممارسات التى تسىء إلى الثورة أو تخدش نبلها ونقاءها. وأصابع الشباب التى ترصد كل شىء عبر فيس بوك وتويتر كفيلة بهذه المهمة.

إننا إذا استعدنا ثقتنا فى مواطن ما بعد الثورة فلن تخيفنا فزاعة فلول الحزب الوطنى، ولا حتى فزاعة الإخوان. وليتنا نستثمر طاقاتنا وأوقاتنا فيما هو أجدى وأنفع، بحيث نشحذ الهمم ونحشد الخلق لكى نعيد إلى المجتمع عافيته ونستخرج منه أفضل ما فيه، بدلا من أن نلوح له بالعفاريت والفزاعات التى تشيع بين جنباته البلبلة والخوف.

نقلا عن الشروق المصرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق