الثلاثاء، 29 مارس، 2011

د.إبراهيم قويدر : الطريق الصعب


الطريق الصعب

بقلم: د.إبراهيم قويدر


من منا كان يتوقع أن يحدث ما حدث في ليبيا الحبيبة، تقصف المدن ويتساقط الأبرياء وتضرب البنية التحتية وتمتلئ المستشفيات في مدننا شرقًا وغربًا، وبجبلينا الشامخين: الجبل الأخضر والجبل الغربي، تتحطم على صخورهما عنجهية الحكم الاستبدادي الذي يقتل أبناء شعبه من أجل استمرار حكمه وحكم أبنائه، إنها مأساة بمعنى الكلمة.
لم نكن نتوقع في يوم من الأيام أن ينجح هذا النظام في أن يغسل عقول مجموعة من الليبيين ليقتلوا- مع مرتزقة من الخارج- إخوانهم وأبناء عمومتهم، فهل نحن في حلم مزعج؟! للأسف، لا، إنه ليس بكابوس، إنه حقيقة مرة مرارة العلقم. وهذه المرارة زادت وتيرتها ونحن نتابع التنفيذ الفوري لقرارات الشرعية الدولية للحفاظ على أرواح المدنيين من بطش عصابة فقدت شرعيتها في موقعها بسدة الحكم بالبلاد من أول يوم قامت فيه بقتل أبناء هذا الوطن ووصفتهم بالجرذان.
وكذلك زادت وتيرة هذه المرارة عندما رأينا ما حدث في الزاوية الباسلة من نبش للقبور وانتهاك للحرمات في طرابلس، وعنف فاق الحد في مصراتة والزنتان، وضاق أهلنا قبل ذلك في شرق ليبيا ببنغازي ومدن الجبل الأخضر حتى طبرق، بما ضاق به أهل مدننا بالغرب من تقتيل وتمثيل بالجثث، فلم أر، ولم أسمع في حياتي عن أناس يدخلون إلى المستشفيات ويقتلون الجرحى إلا في طرابلس، ولم أسمع أن يؤجر نظام حكم مجموعات من الناس يسكنها فنادق 5 نجوم ويصرف لها كل يوم مبلغ مالي (يومي) ويحضر لها الحافلات لينقلها في كل مناسبة يظهر فيها أفراد الأسرة الحاكمة ليهتفوا هتافًَا يتعدون فيه الأصول الإسلامية، فبعد الله يكون النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو معلمنا وقائدنا، وليس غيره أيها المنافقون الدجالون وليبيا تكون بعد ذلك؛ لأنها الوطن الذي لولاه ما كنتم أنتم ولا عرفتم الدنيا أو العالم، فالأفراد زائلون والوطن باقٍ يا جهلة.
هذه المرارة أيضا برزت عندما رأيت نصر الله بمساعدة المجتمع الدولي العادل لإنصاف الثوار، والأخذ بثأر الشهداء، وهم يدركون القواعد التي استخدمت ضد الشعب المسالم، هذه القواعد وهذه الترسانة الحربية تم شراؤها بأموال الشعب، وكسب من ورائها سماسرة الأسرة الحاكمة المليارات، وبمال الشعب تم ضرب الشعب؛ لكن المر يدفعك للقبول بالأمر منه، وهو قبولنا نحن الشعب الليبي بتدمير هذه القوة حفاظًا على أرواح أبنائنا ومستقبلهم، وإضعافًا لمجموعة طغت بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.
فمن الجو قصفت مدننا، ومن الجو تهدم قدراتنا الدفاعية التي كانت قد تحولت إلى قوة تقتلنا؛ لأنها تم السيطرة عليها من قِبَل أناس لا يعرفون الله ولا يحترمون الإنسانية، أناس مجرمين، وأعتقد أنه بعد انتصار الثورة سيكون أمام المتخصصين في علم النفس عمل كبير لإدخال هؤلاء إلى مصحات يقدم لهم فيها العلاج الذي يخلصهم مما هم فيه من أورام الإجرام التي حقنوا بها في أدمغتهم وأصبحوا يقتلون يمينًا وشمالاً أطفالاً ونساءً.
صحيح أن الطريق صعب، وخلال مسيرتنا الثورية الشعبية واجهتنا العديد من المخاطر، وما زالت؛ لكن ليفهم جيراننا العرب بالذات أن ما سيكشف عنه من مجازر حدثت ولم يعلن عنها في مسيرة الثورة، وقبلها ستنكشف الحقيقة المرة التي تجعل من أي إنسان يتحالف مع من كان من أجل الخلاص، ورغم ذلك كان طَلَب الثوار للعون مشروطًا لا جنود على الأرض الليبية، فالمطلب هو حماية المدنيين وتفكيك الآلة الظلمة التي تقصفهم وتميتهم وتشردهم؛ لتعود ليبيا إلى الطمأنينة والحرية.
نحن بلد أنعم الله علينا بخيرات كثيرة وأراض شاسعة، بها مقومات طبيعية غير عادية، وشعب طيب مسلم سني مالكي، فلا توجد بيننا طوائف، والقبائل عندنا رابطة اجتماعية توحد ولا تفرق، وعقالها دائمًا محضر خير في أشد الشدائد؛ لكننا بُلينا بأسرة حكمتنا ظلمًا وفرّقت بيننا لتسود، وصحا الشباب وثاروا ثورة مباركة من أجل مستقبلهم وحريتهم ووطنهم، والتف حولهم الشعب الليبي بأساتذته وعلمائه ومثقفيه ورجال جيشه البواسل، التفوا جميعًا للقضاء على الاستبداد والفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحرية والديمقراطية وبناء دولة المؤسسات.
وهنا أقول: علينا أن نثق في أنفسنا وفي إمكانياتنا الوطنية، وأن نلتف حول المجلس الوطني الانتقالي الذي حتمًا سيتكامل ليشمل ممثلين عن كل التراب الليبي شرقًا ووسطًا وغربًا وجنوبًا؛ لأن الشعب واحد والتراب واحد، وعلينا أن نبدأ في خطوات سريعة:
أولها: إعلان الجمهورية الليبية،  ولا داعي لأي إضافات أخرى، فنحن بطبيعة الحال عرب ومسلمين وديمقراطيون بإذن الله؛ لكننا نسكن في وطن نحبه ونموت من أجله اسمه ليبيا. وعلى المجلس الوطني أن يكلف لجنة من فقهاء القانون لإعداد دستور لليبيا يعرض فور الانتهاء منه في مدة لا تزيد عن شهرين على الشعب في استفتاء عام لاعتماده، وهو دستور للجمهورية الليبية وعاصمتها طرابلس، واعتماد علم الاستقلال ونشيده بعد التعديل الذى جرى عليه أخيرا .
وثانيها: العمل على تشكيل حكومة تكنوقراط،( بعد الانتهاء من الاسرة الحاكمة وتحرير الوطن بالكامل ) يتم اختيارها وفقًا للكفاءة والقدرة، تتولى تسيير الإدارة التنفيذية في ليبيا، وتنظم الحكم المحلي بسرعة وبشكل يكفل حل المختنقات لدى الناس في شئونهم الحياتية إلى أن يحدد الدستور الشكل الرسمي للإدارة التنفيذية والسلطة التشريعية.
وثالثهما: أن تكون مدة المجلس الانتقالي المؤقت وحكومة التكنوقراط ستة أشهر لأو بحد اقصى سنة ، يتم خلالها الإشراف على إنشاء المؤسسات الدستورية واستقرارها، بعد ذلك ووفقًا لما ينص عليه الدستور يتم تسليم السلطة الشرعية من المجلس الوطني الانتقالي للسلطة التشريعية الدستورية، وكذلك تسلم حكومة التكنوقراط للحكومة المختارة مهامها وفقًا للدستور.
هذا هو الطريق وإن كان صعبًا؛ لكنه حتمًا سيكون فيه خير لشعبنا وأبنائنا وأحفادنا.
والله ولي التوفيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق