الثلاثاء، 1 مارس، 2011

صلاح الشلوي : فصول في الإنتفاضة المباركة


فصول في الإنتفاضة المباركة

صلاح الشلوي


فصل في الإلهام
صورة الطفل الشهيد فرضت نفسها لتأحذ محلها تاج فوق الرؤوس، ليكون المنارة المفقودة التي لطلما بحثنا عنها وسط ظلمات بعضها فوق بعض وسط اعاصير التخلف والغثائية والتبعية والاستبداد، وضعف الفاعلية الاجتماعية، وخوار العزائم، جاء الطفل الشهيد ليكون العبقري الملهم لكل معاني الأنا الليبي، ليس لأحد بعد الله أن يقول أنه صنع لنا شيء يستحق منا عليه شكرا سواهم، إنها صناعة نفيسة تلك التي يمتهنها الشهداء، إنما يموتون من أجل أن تحى فكرتهم وشعوبهم، لذلك كانت صورة الشهيد الملهم هي الصورة التي بإمكانها أن تملء فراغ بحجم عنوان الانتفاضة، لله دره من فتى عبقري مر سريعا من سجل هذه الحياة ولكنه سجل حضورا بحجم صناعة شعب، أرجو أن يفهم مغزى الكلام على الوجه الذي يحول قطرات دمه الزكية إلى دروس في الهوية والانتماء، كي لا نضيع ثانية بعيدا عن منارة الشهيد .  

وجاءت الإنتفاضة 17 فبراير على قدر لصتنع شعبا على عين الشهادة والتضحيات الجسام، ولتكون نقطة إستئناف لما اندرس من معالم الهوية الليبية وسط غبار حطام الفردية المقيتة للإستبداد، جاءت الانتفاضة المباركة لتطرح لليبيين شرعية جديدة جامعة، ليتحدد في اطارها الأنا الليبي انسانا وترابا من جديد، ولتطرح شرعية الإنتفاضة  أساسا لكل المبادرات والفاعليات والخيارات الراهنة، فاتحة بذلك صفحة جديدة من تاريخ اجتماعنا السياسي المعاصر، ولترسم ملامح مفهوم الليبية وعمقها الاجتماعي  الموصول بدون شك بموروثها الحضاري المستمد من قيم الرسالة السماوية الخاتمة منذ وصولها أول مرة سنة 22 هجري فتوحدت في بوتقتها الاعراق والانساب وصارت المرجع المشترك الوحيد الذي لا خلاف عليها بين أبنا المجتمع، فاشتركوا في حمله وتبليغه لمن وراءهم من شعوب المغرب العربي، بل واجتازوا بألويتها إلى  العدوى القصوي عبر جبل طارق لينداح نور الحق على أرض اندلس كلها.
ليست شوفونية
الليبية ليست نزوة شوفينية قومية عنصرية، ولا تمت لها بصله، إذ فخارنا بها لا يعني بحال احتقار الأخرين على الاطلاق، الليبية الجديدة  وعاء نفسي مفعم بعبق الشهادة وضخامة التضحية والصمود، من أجل استرداد زمام المبادرة كلما ابتعد عن محوره أو حاد عن مساره يمنة أو يسرى، الليبية بيت اجتماعي وأول إطار من أطر النتكافل ونتعاون على البر والتقوى والخير العام لنا جميعا،الليبية  قيم مستلهمة من الموروث الحضاري للمجتمع الليبي المسلم، الليبية الجديدة المخرج المفقود وسط متاهة التخلف والاستبداد والتبعية والخلل، واعلان عام للتحرر من اغلال الغثائية وضعف الفاعلية الاجتماعية والثقافية والسياسية.
لقد نسخت الإنتفاضة بانطلاقتها المشرقة الواعدة كل الشرعيات السابقة وحلت محلهن كشرعية مبادرة جديدة، أخذ الشعب الليبي بها على عاتقه بزمام المبادرة لتغيير كل البنى الفاسدة، وتصحيح الأوضاع القائمة، وتفكيك كل مؤسسات الإستبداد، وطرحها جانبا والشروع في تأسيس بنية اجتماعية سياسية جديدة لم يعطها له  أحد، وليس لأحد أن يمتن علينا بها سوى الله عزوجل، الذي كان معنا بتأييده وتوفيقه وترشيده، فاستردينا زمام الأمر الذي لطالما غصب منا ظلما وعدوانا وافتياتنا على المجتمع بغير وجه حق. أما اليوم فلا الأمم المتحدة، ولا بريطانيا العظمي، ولا غيرها له أي فضل علينا في فرض مشروعية مبادرة الانتفاضة المباركة ليلتف حولها كل الليبيين، مستندها فيها تضحياتهم الجسيمة ودماء الشهداء الزاكية من الأطفال قبل الكبار رجلا ونساء، شرعية جديدة فرضناها على الطولة بأجندة الشارع الليبي وعزمه الصادق على أن يحدد معنى الليبي في الكون اليوم.
فكان أول وأبرز انجاز للإنتفاضة المباركة أن وضعت الأساس لمعني ليبيا ككيان اجتماعي وسياسي وثقافي جديد، نقطة بداية جديدة نسخت كل النقاط الهزيلة السابقة، سواء ما جاء في صورة منحة لشعب كان يعيش تحت وصاية الإدارة البريطانية، أو ما جاء عن طريق الثورة كما يقال، لسنا في حاجة لأحد أن يعطي لوجودنا بعد اليوم معنى من عنده، أو أن يضفى عليه صفته الشخصية، فهي بجدارة انتفاضة شعب، ولا يمكن أن نسمح لأيا كان أن يتخذ منها عنوانا أو شعارا له أو لحزبة أو لمشروعة احتراما لدماء الشهداء، كما لن نقبل بتحويلها إلى دوغمة جديدة تحل محال الدوغمة الخضراء التي صدعت رؤوسنا على مدار العقود الأربع الأخيرة، لقد وجدنا ذاتنا، ووجدنا الإطار الحضاري والفضاء الثقافي الذي يعرف بنا لمن لم يعرفنا بعد.
وعلى هذا الأساس تستند كل الفعاليات التي تعيشها ليبيا على أرض الواقع لتفكيك منظومة الاستبداد وكسر إرادتها السياسية انطلاقا من شرعية الانتفاضة المباركة لاسترداد زمام المبادرة، وهي شرعية جديدة بالكامل، وليست شرعية هزيلة فرضتها علينا ظروف الاستضعاف في الماضي، اليوم الليبي يحق له أن لا يتنسب لشيء سوى الانتفاضة والتضحية والشهداء، ونعم الانتماء المبارك الذي ليس فيه منه ولا فضل لأحد علينا سوى الله.
من هنا نبدأ
وعند هذه النقطة يجد الليبيون أنفسهم  صغارا وكبارا رجالا ونساء في الداخل والخارج في حاجة إلى ضرورة الإلتفاف حول الشرعية الجديدة التي فرضتها أجندة الشارع الليبي على الجميع، وحسمت الأمر لصالح الشعب وحقه أن يكون شعبا كغيره من الشعوب، يشارك في الخير العام ويساهم أبناؤه بدورهم في تكريس السلم في المنطقة، وبناء علاقات جديدة متوازنة مع الجميع ممن بينه وبينهم مصالح مشتركة.
الخصائص العامة للإنتفاضة الليبية

أولا: حدة الإستقطاب:
 التباعد في الموقف بين الشارع والنظام من أبرز ما تتسم به الإنتفاضة الليبية، فلا تكاد تجد في الشارع من يفكر ولو مجرد التفكير في إمكانية الدخول في حوار مع النظام من أجل البحث عن أي حل مشترك أو طريق وسط بينهما، وذلك لأن النظام قد اضاع الفرصة تلو الفرضة بعناده وغطرسته وغروره، ونسف كل الجسور، وتمترس وراء حصونه ثاني عطفه، مما جعل فكرة الحوار معه مثار الاشنئزاز، وخاصة بعد تخطى الخط الأحمر السيادي متمثلا في الدم الليبي، وبعد أن سقوط أول شهيد من شهداء الانتفاضة المباركة.
ثانيا: الخشونة:
 على خلاف سلوك النظامين التونسي والمصري، حيث كان هناك تدرج في القمع من خراطيم مياة ساخنة إلى غازات المسيلة للدموع إلى الضرب بالهراوت إلى اطلاق البلطجية بالسكاكين والعصى، إلى استخدام الرصاص المطاطي وصولا إلى ذروة القمع باستخدام الرصاص الحي العادي، لجأ النظام الليبي مباشرة المدفعية المضادة للطائرات والرصاص الخارق الحارق، مما يعني أن حرق مراحل العنف كان السلوك السائد من جهة النظام، ولو توقف الأمر عند هذا الحد لكان في الأمر موضعا للنقاش، ولكنه اضاف إلى ذلك خطيئة أعظم باستقدامه لمرتزقة أجانب عرب وافارقة واسيويين وقام بتسليحهم واباح لهم الولوغ في الدم الليبي، وهي على عظمها ليست سوى واحدة من خمس جرائم خيانة عظمى ورط نفسه فيها:
§        استجلاب مرتزقة اجانب وتسليحهم لمحاربة الشعب
§        التهديد باسجلاب الاستعمار المباشر من جديد
§        اطلاق سراح المجرمين والقتلة وتسليحهم لترويع الأمنين وارتكاب العديد من الجرائم
§        التهديد بحرق البترول وحرمان الشعب من الاستفادة منه
§        محاولة اشعال الفتنة لتفجير حرب أهلية
الأمر الذي أحدث نقله نوعية عندما اكتشفت أول مرة، حيث انقلب عناصر قوات الدعم المركزي إلى جانب الشعب وانضموا لصفوف الانتفاضة معتبرين أنهم في حالة مواجهة قوات أجنبية، وعند هذه اللحظة الفارقة تصاعد مستوى خشونة الانتفاضة التي اعتبرت نفسها لا تواجه قوات ليبية حتى وإن اسرفت في استخدام القوة، بل صارت في حالة مواجهة مع قوات أجنبية، فاعطت نفسها الحق في التصدى لها بالخشونة الكافية لردعها، مما يجعلني اطل عليها أنها ثورة القنافد وليست ثورة ملونة هذه المرة، لخشونتها المبررة والمشروعة، وهكذا يكون النظام قد انزلق نحو جرف القنافد فذاق ألم وخز ابره في كل مكان.
وهو مشهد مختلف بدون شك تماما عما واجهته الحالة التونسية والحالة المصرية من قبل، حتى تم احتواء خطر الملشيات الأجنبية، قامت الانتفاضة يجمع كل قطع السلاح التي استخدمت لمواجهة القوات المرتزقة الأجنبية التي استقدم النظام خمسة الاف منها من كنيا وحدها يوم 14 فبراير 2011م، هذا غير الجنسيات الأخرى العربية والأسيوية التي القي القبض عليها.
ثالثا: تفكك منظومة الاستبداد
بدون الحاجة للخوض في الطبيعة البنيوية لمنظومة الاسبتداد، إذ ليس مقصودنا هنا دراستها، ولكن الذي حدث هو تأثير الدومنو المتسارع لتفكك المنظومة على أكثر من صعيد، فعلى مستوى الدبلوماسية بدأت عملية اعلان استقالات من موظفى الدبلوماسية الليبية، بل وصل الأمر بانفصال العديد من البعثات عن النظام واعلانها لا تمثله بل تمثل الانتفاضة.
أما على المستوى السياسي فقد اعلن وزير العدل ووزير الأمن العام استقالاتهما واعلان انظمامهما للأنتفاضة، كما اعلن النائب العام استقالته، كما اعلن بعض المدراء العامون في بعض القطاعات استقلالهم عن النظام كما حدث على سبيل المثال في الإدرة العامة للمصرف التجاري، وإدارة التفتيش القضائي، لتصل عمليات التفكيك أوجها باستقالة منسق العلاقات الليبية المصرية وفتى الخيمة المدلل أحمد قذاف الدم، أن يعلن استنكارة لسلوك النظام وانفصاله عنه، وينتظر منه أن يقدم النصيحة لقبيلته القذاذفة ليقفوا الموقف نفسه ، وليتعففوا عن التورط في دماء اخوانهم الليبيين ، وليدركوا أن معمر القذافي أمره صار إلى زوال ولن يبقى معهم إلا موقفهم اليوم تجاه ما يجرى، وليس المطلوب منهم أن يقفوا على الحياد بل بنيغى لهم أن يقوموا بوقف الرجل الفاقد للسيطرة على تصرفاته من سفك المزيد من الدم.
رابعا: انقسام موقف المؤسسة العسكرية والأمنية
على خلاف ما حدث في تونس ومصر، حيث كانت المؤسسة العسكرية والأمنية مصطفة وراء موقف واحد، انشطرت في الحالة الليبية المؤسسة العسكرية والأمنية شطرين ، الأول منحاز بالكامل للإنتفاضة ومؤيد لها، والثاني ما يزال يراهن على امكانية استمرار النظام، وهي الأخر مرشحة للمزيد من الانشطار لتنحاز إلى جانب الإنتفاضة، وهذا بعطى للإنتفاصة المباركة صفة خاضة تميزها عن الانتفاضتين التونسية والمصرية.
خامسا: الانتضام السياسي المبكر
على خلاف الانتفاضتين التونسية والمصرية، برزت محاولات توحيد الجهود في نسق واحد أو ظلة سياسية واحدة، برز مشروع المجلس الوطني ليكون الإطار السياسي المؤقت الذي يمثل الانتفاضة، من أجل قطع الطريق على أي محاولة للتدخل الأجنبي في الشأن الليبي من جهة، والاستعداد لاحتواء أي تحديات ومستجدات على أرض الواقع بمجرد أن يسقط النظام من جهة أخرى، وهو ما لم يحدث في الانتفاضتين السابقتين، وهو المجلس الذي تلقفه الشارع الطرابلسي بالترحاب والتأييد.

الخاتمة
لقد اسقط الشعب النظام بكل ما كان يرتكز على من ترتيبات واقعية، ولأن النظام لم يكن ليفهم أن القوة لا تعطي حقا بأي حال من الأحوال، واليوم ليس هناك شرعية أخرى غير شرعية انتفاضة 17 فبراير، أما ما سواها فليس له أي قيمة أو اعتبار ولعل في هذا أكثر من مجرد التلميح لكل من قد يتوهم أننا يمكن أن نجتمع على شرعية غير الشرعية التي صنعناها بدماء الشهداء وجراح وعناء ومصابرة وصبر على مغالبة الطغيان، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير، فليس من شيء سيكون اكثر استفزازا لوجدان الشارع أن يظهر من يتكلم على شرعية أخرى غير هذه الشرعية التي التفت عليها اللحمة الليبية وذابت في بوتقتها كل الفروق الجهوية والعرقية.
أما الشعب الليبي فهو شعب صنع على عين اللقدر لينطلق من جديد ويستأنف جولة حضارية مباركة جديدة، بسواعد أبنائه رجالا ونساء سواء بسواء...... أحييك يا شعب
صلاح الشلوي - طرابلس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق