أرطغرل الذي رأيت..




تبُث قناة تلفزيون قطر المُسلسل الشهير وذائع الصيت والذي أثار ضجّة واسِعة «قيامة أرطغرل». فالمُسلسل المُدبلَج أصبح خِلال فترة قصيرة الأكثر مُتابعة، وهذا ولله الحَمد يدُل على أن عين المُشاهد العربي ما زالت تبحث عن الأفضل، وقادِرة على اختيار الجيد.

لن نتكلّم عن البِناء الفنّي والإخراج والتصوير للمسلسل مع أن أقل الناس دِراية يَجزِم أنّها احترافية ورائعة، لكن سوف نتكلم عن روح المُسلسل والقِيم التي يبُثها وأهمية مِثل هذهِ الأعمال في بناء الهوية وتنمية الثقافة.

ومع إنني من غير أنصار بِناء المعلومة التاريخية عن طريق الرِواية أو الدراما للمُختصين، إلّا أنّها أثبتت أنها أنجح وأسرع وأوسع الوسائِل لِتوصيل المعلومة للعامّة، كون مجتمعاتِنا تَقضي أغلب أوقاتِها على شاشات التلفاز وبعيدة نسبياً عن الكِتاب.

لذلك تأتي هنا المسؤولية على الجِهات المختصة والحكومية في مواجهة ومزاحمة الكم الهائل من الزَبد والتفاهَة على الشاشات، عن طريق تبنّي خِطة ثقافية شامِلة لتُنقذ الملايين ولا تترُكَهم ضحيّة القنوات والبرامِج الهدّامة.

ينمي هذا المسلسل الوحدة الإسلامية، وهنا أقصد التقارب التركي العربي عن طريق إظهار المشتركات.
دعوتي لِمتابعة المْسلسل جاءت بِسبب الكم الهائل من الرسائل التربوية والدروس التي يبُثها هذا المسلسل لِتنمية الكثير من القِيم وتعزيز الهوية داخل المشاهد، مع أنني أختلف مع بعض أحداثه كباحث بالشأن العثماني إلا أن أغلب خطوط المسلسل صحيحة. سوف أذكر بعض تلك القيم التي يثريها وينميها هذا المسلسل.

1- تنمية الروح الدينية للمُشاهد فلقد أظهر المسلسل وبِنجاح دور علماء الدين في توجيه الأمّة وصِناعة الوعي للشعوب، وأظهرهم بِمظهر الملاذ للحكّام وصنّاع القرار كما جعلهم أهل الخلاص وناصري الحق والسند الحقيقي والمرجع الأخير لأهل الحق، مما يعيد بناء الثقة بين المجتمع ورجال الدين حالياً وإبراز دورهم كأساس في العودة والنهضة.

وكسر الصورة المشوهة لرجال الدين بأنهم أهل فتن وإرهاب في المسلسلات الأخرى. كما بيّن ما تعرضت له الأمة من محن وحروب صليبية نجحنا بِتَجاوزِها بالتشبث بروح الإسلام السمح ومعرفة العدو الحقيقي.

2- تنمية التكافل والترابط الاجتماعي والأُسري فلقد ركّز المسلسل على التسلسُل الهرمي للمُجتمع واحترام كل طبقة للأخرى، ودِفاع الفرد عن الجماعة والعكس، وأن لكل فرد دور مهم في نجاة ورفعة المجتمع. وركز على الدور الرائع للمرأة صانِعة الأجيال والسند الحقيقي للرجل ودورها في تربية الأسرة وصنع جيل قوي.

بعكس التفاهات الكثيرة التي تَظهر في المسلسلات الأخرى وتصوّر المرأة بأنها ضحية وبائعة هوى والقاتلة أو مقتولة والمنحلة، وكل هذه الأنماط التي تُصدِّرها لِلبيوت كمُحرّض للمرأة على كسر التقاليد والخروج من عباءة الذل التي توهِمُها بأنها تعيشها.

3- تنمية القدوة للشباب عن طريق إعطاء نموذج من شخصيات الأجداد ونضالهم وشجاعتهم، فشخصية أرطغرل كثيراً ظهرت كشاب وسيم وشجاع قوي ومبادر في حماية وتغير الأمّة ومّلتزم أخلاقياً ودينياً.

4- تنمية الوحدة الإسلامية، وهنا أقصد التقارب التركي العربي عن طريق إظهار المشتركات مثل العادات والدين والأخلاق وحب المسلمين والعدو المشترك لنا نحن كعرب وأتراك.


بالنهاية مع أن أحداث المسلسل ليست كلها بالضرورة صحيحة. إلا إنني وبعد مشاهدة ثلاثين حلقة أدعوكم جميعاً لمُتابعتِه، فهوَ مسلسل تربوي بامتياز ونموذج صحيح لما يجب أن يُقدّم للمشاهد.


تعليقات