الأحد، 26 فبراير، 2017

د. فتحي الفاضلي : الثورة.. الخطاب.. والخطاب المضاد



بسم الله الرحمن الرحيم
الثورة.. الخطاب.. والخطاب المضاد

تهتم القنوات الفضائية والأصوات الإعلامية المدعمة لثورة 17 من فبراير بجميع القضايا والوقائع والأحداث. وبالرغم مما في هذه الممارسة من مهنية ومصداقية وإخلاص - تشكر عليها تلك القنوات والأصوات - إلا أن اسلوب أو نمط أو طريقة التعامل مع الخبر أو القضية أو الواقعة أو الصورة أو الحدث أو التصريح أو البيان، قد تصب - دون قصد - في مصلحة الخصم، والإعلاميون ادرى مني بذلك.
فبعض الأصوات الإعلامية المدعمة للثورة، بما في ذلك الفضائيات والإذاعات المسموعة وصفحات التواصل الإجتماعي ومواقع النت والمواد المطبوعة بمختلف اشكالها، قد تدعم الخصم وتروج وتنتصر له دون أن تدري. بل ربما يؤدي صوتها إلى حشد الأعوان والمؤيدين والأنصار إلى صف أعداء الثورة. في الوقت الذي تظن فيه – تلك المنابر الاعلامية- أنها تناصر الثورة وقيم ومباديء الثورة.
إظهار الخصم او العدو في مشهد إنتصار دون قصد، قد يتمثل - مرة أخرى - في تناول او إبراز صورة أو خبر أو بيان أو تعليق أو لقاء أو تصريح أو إجتماع أو نشاط أو حدث أو زيارة أو مظاهرة أو قرار أو اعتصام بصورة خاطئة.
ولعلي اذكر بعض اللمحات السريعة على ما ذكرته مثل: مصطلح "الثورة المضادة"، والذي تتناوله المصادر الإعلامية المدعمة للثورة، والذي يجب أن يختفي ويحل محله مصطلح "الإنقلابيون" او "الإنقلاب على الثورة"، أو "أعداء الثورة"، وجملة أخرى طالما ترددت في قنوات ومصادر وبيانات الثورة مثل "يحاولون إجهاض الثورة"، و"الثورة لن تموت"، و"الثورة ما زالت تقاوم"، و"الذين تخلوا على الثورة والثوار"، و"الثورة تتعرض للخذلان"، وأيضا مصطلح "الطرف الأخر" والذي يساوي - إجحافا- بين الخصوم، قيما ومباديء وثوابت وممارسات، بالإضافة الى أناشيد الإستجداء والحزن والبكاء.
مثل أخر قد يتمثل في بث أو نشر صور أو لقطات تجمع أعداء الثورة، برؤساء دول او سفراء أو قادة عسكريون او ممثلين لهيئات إقليمية ودولية، لقطات الغرض منها بث رسائل سياسية وعسكرية وإعلامية مضادة للثورة، تتحقق أهداف هذه الرسائل، بمجرد مشاهدة هذه اللقطات ودون حتى مجرد الإنتباه إلى التعليق او الخبر او التحليل المصاحب لها. ناهيك عن اظهار انتصارات الخصم العسكرية بما في ذلك ممارساته البشعة، وحصار المدن، والابرياء، والاحياء، بصورة تحمل في طياتها الإنتصار الشامل للخصم والهزيمة للثورة والثوار.
وقد نضيف الى كل ذلك، تسييس بعض القضايا والوقائع والأحداث التي لا تقبل التسييس أصلا، كالجوانب التي تمس المباديء والقيم والثوابت، أو تمس الضحايا من البشر، او التنازل عن تغطية الجرائم ضد الإنسانية، او التنازل عن بعض المطالب المصيرية، او الصوت الذليل الذي يرحب بالفرقاء بما فيهم المجرمون، بما في ذلك مجرمي الحرب، او عدم تغطية مظاهرات او اعتصامات او نشاطات يقوم بها انصار 17 فبراير، او تغيير خطاب المنبر الاعلامي، لأن القائمون على المنبر افرادا كانوا او جماعات او احزاب تبنوا موازين اخرى، وغير ذلك من القضايا التي لا تقبل التسييس او التوظيف السياسي، حتى لو كان المراد من هذا التوظيف او التسييس المؤقت خدمة للثورة ومباديء الثورة.
كل هذه المصطلحات والمفردات والممارسات، وغيرها الكثير، والكثير جدا، تظهر الثورة وكأنها في موقف ضعف وموقف دفاع وموقف تراجع، بل موقف دفاع المستضعف الضعيف ايضا. ليس ذلك فحسب، بل تساهم- دون ان نشعر - في صنع وترسيخ ونشر رأي عام مضاد للثورة. أو على اقل تقدير، تسبب في تحييد شرائح وفئات ومجموعات عديدة من المجتمع يخسرها تيار 17 فبراير.
نحن اذا في حاجة الى ان تستمر القنوات والأصوات والمصادر الإعلامية المدعمة للثورة في مهنيتها ومصداقيتها وإلتزامها الأدبي والمعنوي والإعلامي تجاه المواطن المستمع والمشاهد، وهي – مرة أخرى- تشكر على ذلك. لكننا في حاجة إلى توظيف الخبر او الحدث او الواقعة (بمهنية ومصداقية ايضا) في صالح الثورة. توظيف الخبر وليس تحريفه أو تزييفه أو فبركته، توظيفه من زاوية تخدم الثورة والثوار. مهما كانت طبيعة الخبر او الحدث، بدلا من ان نجد كل هذه الجهود والطاقات والإبداعات تصب في صالح الخصم.
لابد – اذا- من تغيير الخطاب الإعلامي إلى خطاب إنتصار، والمشهد السياسي والعسكري إلى مشهد إنتصار، وان يتغلب الصوت الايجاني على تحركات ونشاطات وممارسات الثورة والثوار، بذلك تؤدي تلك المنابر رسالتها على اكمل وجه، وخاصة في هذه المرحلة. والله من وراء القصد.

د. فتحي الفاضلي
طرابلس- 25/2/ 2017م




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق