عدنان سليم أبو هليل : لماذا يستهدف "ترامب" الإخوان المسلمين؟





أعلن مرشح ترامب لوزارة الخارجية الأمريكية القادم، أنه سيضم الإخوان المسلمين إلى قائمة المنظمات الإرهابية التي سيحاربها.. فلماذا الإخوان المسلمين الذين يعلو صوتهم بأن سلميتهم أقوى من الرصاص ويعلم العامة كما الخاصة أنهم لم يتورطوا في أي أعمال عنف تصنف إرهابية حتى بالمفهوم الأمريكي نفسه؟
وأقول: القضية وإن تجاوزت المعنى المتعارف عليه للإرهاب إلا أنها لم تتجاوز حقيقة العداوة الأمريكية والغربية لمعنى ومضمون "الإخوان المسلمين" وعلاقته بمعنى ومضمون الإسلام ذاته.
ذلك أنه عندما انطلق الإخوان المسلمون في 1928 من القرن الماضي كان في المسلمين كمّ متوافر من الجماعات الصوفية التزكوية التي قصرت العلاقة مع الله تعالى في خصوصية فردية معلمنة عن الواقع والتحديات، وكمّ آخر من المشايخ الذين انشغلوا بحفظ الأسانيد وفروع الفقه المنقطعين عن الواقع بحفظ المتون ورواية الأسانيد.
ووجد الإخوان المسلمون عامة الناس كنخبهم قد وفّقوا أوضاعهم على تقبّل المحتل والتعايش مع فروضه السياسية وأذياله الثقافية، ووجدوا فهم المسلمين لدينهم وتعاملهم مع جوهره وروحه سقيما باردا بليدا سقيما منفكا عن عقيدة الولاء والبراء، مستجيبا لدعوات التغريب متجها لتثبيت الاستعمار الأجنبي في العقول والقلوب والعباد والبلاد، ووجدوا منطق الحرص على السلامة الشخصية سيدا متوجا لدى العلماء كما لدى العامة ما يمنعهم من القيام بأقل القليل من المعالجات ولو في حدود الممكن على أقل تقدير.
ومنذ يوم ذاك قرر "الإخوان المسلمون" أن يجدلوا ما لدى الصوفية من خير وتزكية بما لدى المشيخات العلمية من علم تحقيقي تخصصي في كينونة صلبة داخل منظومة حراك إصلاحي يصنع مسلما مؤهلا يفهم دينه ويعتز بأمته، ويواجه الجاهلية المنثورة في كل زاوية من زوايا بيت المسلمين، ثم ينتقل من بناء الفرد المسلم إلى إصلاح البيت المسلم إلى المجتمع الصالح انتهاء باسترجاع الحياة الإسلامية كلها.
صحيح أن الإخوان المسلمين ليسو أول من عمل للإسلام فقد سبقهم كثيرون، وصحيح أنهم لم يأتوا بدين جديد فدينهم الإسلام ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وصحيح أنهم ليسوا الأوحدين في الغيرة على دين الله؛ ولكنهم نقلوا فهم الدين من البارد إلى الفاعل ومن الخاص إلى العام ومن المجزأ المتباعد إلى الشامل المترابط، وأعادوا ثقة الأمة بنفسها وشريعتها، وأطلقوا منهجية تعيد الأمة لوعيها وهويتها وإمكاناتها، وتوعيها بأعدائها ومناهجهم وتعويقاتهم..
وارتكز "الإخوان المسلمون" في تجسيد غاياتهم على صف داخلي أقاموه على الاصطفاء النوعي من العاملين للإسلام نشؤوه على فهم للدين دقيق وإيمان بـالله عميق واتصال بالشريعة وثيق، وروابط الأخوة ومشاعر المحبة والتجرد عن الجاهلية بكل صورها وعروضها..
هذا الفهم التجديدي الرصين للإسلام الفاعل المجافي للسلبية المترافق مع الانضباط ولحمة الصف وثراء التجربة هو الذي عرّضهم للكثير من المتاعب كل العقود الماضية؛ لكنه في مقابل ذلك أكسبهم الكثير من ثقة الأمة والنجاحات والانتشار والإنجازات؛ حتى صار المتأمل يقول (ماذا لو لم يكن الإخوان المسلمون في الأمة؟).
آخر القول: هي إذن الحرب على ما يجسده الإخوان من معنى الإسلام الحقيقي، ولن تكون إلا بعض حربهم التي لم تنقطع منذ أبي جهل وأبي لهب ومنذ كسرى وقيصر (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).


نقلا عن جريدة الشرق

تعليقات