محمد زينوبة : بلد المليون قذافي



عشرُ ليالٍ مضافاً إليها ست كانت كفيلةً بأن يُدرك ماهية اليقين فيها، فأيام التيهِ هذه كشفت لهُ حجاباً ما كان ليُبصرهُ إلاّ بشقّ الأنفُس، وكثيرٍ من التوفيق السماوي.

في جبال الهروج السوداء المُعتمة ضلّ صاحبُنا، وهوت به راحلته في وادٍ سحيقٍ غيرِ ذي زرع، عاش معظم أيامه بلا ماء أو مأوى، افترش الرمال مُلتحفاً بالسحاب والأمل، عسى أن يأتي فرجٌ قريب.

كانت النّباتات "البعلي" رفيقة رحلته هذه، كلّما يئس رجته وأمّلته، واست وحشته، وأظلته بظلها يوم لا ظل في الصحراء إلا ظلها، أطعمتهُ من جوع، وآوته من لهيب الشمس وحرقتها، أخبرته بألاّ تحزن وألا تكون من القانطين، أمضى كل أيامه مستأنساً بها كونها علامة الحياة الوحيدة وسط هذه الصحراء المقفرّة، رآها باكية يوماً واستغرب لذلك، كيف لنباتٍ أن يحزن؟ لم يكن يعي أن لدى النبات خاصية "الإدماع".. نعم هي تدمعُ حينما تُجرح، تبكي ولكن بصمت.

في انكسار أغصانها دليل موت وهلاك، إلا أنها تظل واقفة لا تنحني، صامدةً لا تعرف الاضمحلال رغم آلام النزع واشتداده، هي حكمة الأشجار إذاً، ولكلٍّ ضريبته، فتيه الصحراء ما كان ليمرّ بلا ثمن، حيث ساورته تهيؤاتٍ وتخيلاتٍ مريعة اتّهموه على أثرها بالجنون، منها أن رأى طيراً كبيراً قال إن طول جناحه يفوق الثمانية أمتار، واستمع لكلمِ الحيوانات وعويلِها، وأنّات الرّمال وعزيفِها حين صرصرة الرّياح وتذاؤبها، هناك أين الجبال البركانية الصمّاء وسط ليبيا.

اهتدوا إليه بعد ضلال، وأضحى الرجل غريباً عن قومه، فكان يرى مشاهد غير مرئية، ويسمع لصرخاتٍ متأوهة، أخبر عن نار تتراقص وثعابين تنفث فيها بُغية اضطرامها، وأخبر عن سبع ضباعٍ مختبئة في ثوب المسكنة، تأكلهنّ سبع ثعالب ذوات فراءٍ غادرة أحمر لونها تخدعُ الناظرين، جاءوا بالفقهاء والمشعوذين والدجالين بُغية فكّ السحر وطرد وساوسه المتوهمة، فأمروه بحفر بئر وذبح دجاجة وقراءة طلاسم مكتوبة بخط متعرج، وحاكموه ظلماً وزوراً بالجنون والمس، وما كان لعابدٍ مثله أن يُقال له ذلك، ولكن قومي لا يعلمون.

تلك هي قصة حقيقية لرجلٍ عاقل عالمٍ ومسن، عاش كل تفاصيلها وأخبر بها، بعدما ضلّت به الطريق، وتوقفت شاحنته وسط جبال الهروج السوداء في ليبيا، وهي عبارة عن مجموعة من الجبال البركانية، توجد على قممها الخامدة حياة نباتية وحيوانية وبُحيرات، ويُقال إن بها مائة وخمسين بركاناً خامداً.

أخبر بما لم نسطِع عليه فهماً وسمعاً، أمّا المشاهد فهي لمشانق كانت تُعقد حبالها لمعارضي القذافي حينها، رآهم متصلبين على أعمدة من جور، يُطاف بهم في الشوارع كأنهم رجس من عمل الشيطان، وأمّا الصرخات فهي استغاثة من أعدم عليها ظُلماً وقهراً، والثعابين هم المصفقون لحفلات الإعدام الجماعية، رآهم يُصلون بشرر النار المتراقصة، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأمّا الضباع فهم سياسيون خبثاء رجعوا بعد قيام الثورة، نقضوا العهد بعد توكيده، تأكلُهم نار الحقد والصراعات الأزلية.


أخبر أيضاً عن ثورةٍ ستقوم، وألف قذافي بعدها سيكون؛ ليبقى الظلم عادة، والقتل نوعاً من العبادة، يُتقرب به إلى الله زوراً، لتستمرّ سنوات التيه في بلد المليون قذافي.. وللقصة بقية.

تعليقات