الخميس، 10 نوفمبر، 2016

السنوسي بسيكري : هل تتعافى..؟









من أعماق القلب أتمنى أن تتعافى بنغازي، فأن يقع فيها ما وقع من اغتيالات وحرب ودمار وتعطيل للمصالح العامة والخاصة لهو أمر يبعث على الحزن ويدخل النفس في حالة خانقة من الهم والغم.
اجتاحت بنغازي رياح فتن ونزاعات، وليس المقصود هنا مناقشة أسباب وتداعيات ما وقع، فقد تناولها في مقالات سابقة، إلا أني أود التعقيب على شعار ذاع وانتشر منذ ما يقرب من العام من أن المدينة تتعافى من جراء ما واجهت خلال قرابة ثلاث سنوات من القتال وما سبقها ولحقها من خروقات وانتهاكات وجرائم خطيرة.
لا يمكن أن تتعافى المدينة والحل الأمني هو الغالب والمسيطر على إدارة الأزمة في بنغازي دون اعتبار للانتهاكات والخروقات
 وبرغم أني سأكون أسعد السعداء بعودة العافية لعاصمة الشرق الليبي، إلا أني أعتقد أن هذا القول هو من باب الفأل الحسن وطمأنة النفوس، وقد يكون استعمال هذه اللفظة من قبيل الترويج السياسي في خضم الصراع القائم بين جبهتين رئيسيتين في الغرب والشرق، ولرأيي هذا دواعيه والتي من أهمها:
أن المدينة لم تفتأ تواجه شبح القتل والتدمير، ولم تنجح الحرب الدائرة لما يقرب من ثلاث سنوات ثم الإجراءات الأمنية المصاحبة لها من وقف مسلسل الموت بل رفعت من وتيرته، فضحايا القتال بالآلاف، وهزت المدينة بل عموم ليبيا صور الجثث المشوهة والملقاة في مكبات القمامة والتي وقعت مرات ولا مؤشر على عدم تكرارها
أن الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب ماتزال شائكة وتنذر بتأزيم قد يطيل من عمر أزمة المدينة، ولقد رأينا بوادر ذلك في الانشقاق الذي قاده العقيد المهدي البرغثي عن الجيش، وتصريحات اللواء الناظوري عن وجود خطة لتمرد يقوده بعض الضباط، وأيضا الخروقات التي تتورط فيها مجموعات مسلحة.



الحرب خلفت شرخا اجتماعيا امتد إلى عمق تماسكها ولحمتها وضرب في جذور تركيبها، ومن مظاهر ذلك هجر عشرات الآلاف لمدينهم خوفا على أنفسهم ليس فقط لأنهم قد يكونوا مطلوبين أمنيا، بل لأن حجم التهييج والتشويه جعل من مقاهم في بيوتهم بين أقاربهم وجيرانهم أمر صعب.
 اقتصاد المدينة شهد هزة كبيرة بعد الحرب ولذلك علاقة بالبعد الاجتماعي للنزاع وما ترتب عليه من أثار سيئة جدا
المقاربة التي يراهن عليها من يقودون زمام الأمر في بنغازي لا علاقة لها بالتحديث الاقتصادي والاجتماعي وتتجه إلى العسكرة التي هي في معظم التجارب الدولية مناقضة للتنمية المستدامة، وتنجح في ضبط الأمن مؤقتا ولبضعة أعوام ولكن ليس بشكل دائم.
أوجه ندائي إلى العقال من أبناء المدينة والخيرين فيها وهم كثر وأقول يا إخوة يا كرام لا يمكن أن تتعافى المدينة ومقومات التعافي غائبة، والتعويل على حصر مناطق القتال في دائرة ضيقة جدا، ونشر عناصر الشرطة والأمن في الشوارع، وتنفيذ حمالات اعتقال لمشتبه بهم، وتنفيذ حمالات نظافة وما شابهه لا يحقق المنشود ولا يجلب الاستقرار، وذلك لأن أسباب الاعتلال قائمة.
التعافي الذي تجلت بعض مظاهره في المدينة أوجد متنفسا للناس وبعث الأمل في قلوبهم من أن بنغازي ستعود إلى سابق استقرارها وحيويتها وأكثر، وهي قادرة على ذلك
لا يمكن أن تتعافى المدينة والحل الأمني هو الغالب والمسيطر على إدارة الأزمة في بنغازي دون اعتبار للانتهاكات والخروقات، ولا يمكن أن تتعافى المدينة والخطاب المتشنج هو الأعلى صوتا والأكثر دويا، ولا يمكن أن تتعافى المدينة والاقصاء هو المنهج والعنف هو المسلك.
ولا يمكن أن تتعافى والحل فيها مفروض بالقوة بحجة الخوف من الإرهاب والإرهابيين، ولا يمكن أن تتعافى بنغازي ونسيجها مقطع ولحمتها مهلهلة والمبررات لذلك التمزق قائمة وقابلة للتمدد والانتشار حتى بين المجموعات المتجانسة اليوم والتي يجمعها خط سياسي واحد، وهذا ظاهر للعيان بعد صناعة أعداء جديد من داخل منظومة الكرامة كما هو حاصل وجلي من التحريض ضد المهدي البرغثي وانصاره وضد التيار السلفي واعتبارهم أشد خطرا من الدواعش كما تحدث بذلك بعض من يصنعون خطاب الكرامة، ولا ندري من سيكون العدو الأكبر غدا، لتستمر آلة الصراع دائرة دون توقف.
 التعافي الذي تجلت بعض مظاهره في المدينة أوجد متنفسا للناس وبعث الأمل في قلوبهم من أن بنغازي ستعود إلى سابق استقرارها وحيويتها وأكثر، وهي قادرة على ذلك، لكن النظر بعمق إلى تداعيات ما وقع خلال الثلاث أعوام المنصرمة لا يمكن أن يكون أساسا لتعافي يقود إلى استقرار ثم إلى نهوض اقتصادي واجتماعي وثقافي، ولهذا وجب التنبيه التحذير.
المصدر : الجزيرة






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق