الخميس، 17 نوفمبر، 2016

السنوسي بسيكري : فوز "ترامب".. أزمة العقل الليبي





بالقطع لا أقصد بمضمون مقالي هذا كل الليبيين، بل المراد شريحة قد تكون واسعة، ولكن من عبَّر عما يختلج في الصدر منهم قليل. لكني أؤكد أن المقصود ليس عموم الليبيين، والغرض من التعميم في عنوان المقال هو إبراز حجم الأزمة، مع التنويه أنها ليست أزمة ليبية والشواهد على ذلك جلية.

معظم من عبروا عن فرحهم بفور "دونالد ترامب" بشكل صريح أو أولئك الذين نقلوه بطريقة خجولة، معظم هؤلاء يدري قليلا عن السياسة الأمريكية، ومُلم بشكل قاصر بصناعة واتخاذ القرار الأمريكي، وبنظري أن معظم الفرحين ينقلون عن غيرهم ويكررون ما روج له البعض لأغراض سياسية بحتة، بحيث صارت نقطة التركيز جزئية محدودة لا قيمة لها بالنظر إلى التداعيات المحتملة لفوز "ترامب" بكرسي الرئاسة الأمريكية.

الأزمة عند الفئة المقصودة تكمن في ضيق الأفق والانغلاق عن المشهد وتفاعلاته وحصر الآثار والتداعيات المحتملة لفوز ترامب في أنه سيتصدى للإسلاميين وسيقمعهم وبالتالي تستقر ليبيا.

وتعكس هذه النظرة القاصرة حقيقة المشكلة وطبيعة أزمة العقل والتفكير، فأن نتجاوز التداعيات الكبيرة والخطيرة المحتملة التي تلحق بالمسلمين والعرب في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي جالية ضخمة وتتهيأ للعب دور مهم وتتجه إلى أن تكون قوة ضغط موازية وموازنة للوبي الصهيوني الذي كان من أبرز أسباب قهر العرب، وأن نغفل عن احتمالية صدور قرارات أكثر تهورا ونتاجها تدخل سافر وربما وحشي في المنطقة العربية ومنها ليبيا بشكل يزيد الوضع تعقيدا، وأن نتغاضى عن حالة العدائية والعنصرية التي يبدو أنها ظاهرة تشهد اتساعا وتغلغلا في المجتمعات الغربية بشكل العام، والأمريكي بشكل أكثر تخصيص، وقد كشف عن نفسها بوضوح بانتخاب ترامب المغرق في العنصرية، أن نتجاهل كل الآثار الخطيرة والتداعيات المحتملة المخيفة، لنطرب بفوز ترامب لأنه يمكن أن يواجه الإسلاميين في ليبيا، أو يدعم خصومهم السياسيين، فهذا لعمري أزمة في العقل والتفكير لا يمكن أن تبني دولة ولا تؤسس لتنمية، بل ستكون عامل هدم يقوض النهوض الذي ننشده.
الأزمة الفكرية تتأكد بالاعتقاد أن مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، داعمة لجماعة الإخوان المسلمين.. ولنا أن نسأل: هل مارست الولايات المتحدة تحت حكم الديمقراطيين أي ضغوط حقيقية على النظام المصري الذي نكَّل بالإخوان أيما تنكيل -ولا يزال- حتى نسقط في هذا التفسير السطحي؟! ولا ننسى أن كلينتون، وفي سياق سياسة حزبها الحاكم، اعترضت على الإجراءات المتشددة التي اتخذتها الحكومة التركية (المصنفة كحكومة إخوان) ضد الانقلابيين وأنصارهم، وتستعد بروكسل حليفة واشنطن لفرض عقوبات على أنقرة برغم أن الإجراءات القسرية التي اتخذتها الحكومة التركية لم ترتق إلى مستوى العنف الذي استخدمته السلطات المصرية ضد الإخوان.
القصور أيها الإخوة أيضا يأتي من عدم فهم اتجاهات السياسة الأمريكية وأدوار الساسة الأمريكيين بمن في ذلك الرئيس. فالسياسة الأمريكية لا يصنعها شخص، ولا يتفرد بها الرئيس لوحده مهما علا شأنه أو اشتد تطرفه.. نعم يكون للرئيس البصمة، ولكنها ينبغي أن تتناغم مع اتجاهات وخيارات المؤسسات الفاعلة من مجلس أمن قومي ووزارة دفاع ووزارة خارجية.. الخ، وبالتالي سيكون من العسير على ترامب نقل أفكاره المتشددة والعبثية لتصبح لب السياسة الأمريكية، بالقطع ستختلف سياسة ترامب عن باراك أوباما وعن حتى الجمهوريين، ولكنها لا يمكن أن تنزل إلى مستوى أفكاره التي أعلن عنها في حملته الانتخابية.
التأزيم -علاوة على ما سبق- ينحدر من الجهل بطريقة تفكير ترامب ونظرته للعالم حوله، ويتجلى قبح وخطورة اتجاهاته من خلال تصريحه المشين عن ضياع فرصة استغلال الوضع الصعب للثوار مطلع الثورة وابتزازهم بطلب تنازلهم عن نصف النفط الليبي أو حتى ثلاث أرباعه مقابل الدعم الأمريكي، فهل الفرح بفوز رجل بهذا التفكير مستساغ تحت أي ذريعة؟
يا جماعة الجمهوريون وظفوا كافة الطاقات السياسية والإعلامية والعسكرية الأمريكية للقضاء على طالبان في أفغانستان والقاعدة في العراق، وماذا كانت النتيجة؟ طلبان برغم ضعف تسليحها باقية والقاعدة تحولت إلى داعش واحتلت نصف العراق، وأمريكا أنسحبت وتترنح في سياساتها الخارجية وتعاني اقتصاديا إلى يومنا هذا نتيجة لهذا التدخل.


ما من شك أن الإسلاميين بعمومهم خاصة النخبويون منهم كانوا جزءا من الأزمة الليبية ولم يكونوا جزءا من الحل، وساهموا في تعقيد المشهد بل ووضع بعضهم بعض بذور تأزيمه، ولكن هل من الحكمة أن تكون ردة الفعل بهذا الانغلاق والسوداوية؟!
إخوتي، يصبح العقل والتفكير مأزوما إذ نحى بصاحبه إلى الكراهية، وقاده لانتهاج العنف فعلا أو تحريضا أو تمنيا، وأكرر أن العقول التي يعشش فيها العنف وتنخرها الكراهية لا يمكن أن تسهم في بناء، فبضاعتها معاول هدم وفؤوس تدمير.
نحتاج أن ندرك أن قوة المجتمعات الناهضة تكمن في قدرتها الذاتية على احتواء أزماتها، وعلى معالجة الأدواء التي تصيبها، ولا يمكن أن يكون العلاج إلا ذاتيا وبشكل إبداعي ومبتكر، أما إذا اتجه الحل إلى مضاعفة الكره والتركيز على التحريض والدعوة للاستصئال، فعلى المجتمع أو الدولة السلام، لأن الكره والتحريض والاستئصال تغلق أفق الإبداع وتغتال التكامل الذي هو ثمرة التعدد وتقتل الخيرية ولا تولد إلا كرها وتحريضا واستئصالا.
الجزيرة نت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق