الخميس، 17 نوفمبر، 2016

أحمد قاسم حسين : واشنطن الجديدة وليبيا






كانت الأزمة الليبية حاضرةً في المناظرات التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأميركية، واستثمر المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، السياسات الأميركية في عهد باراك أوباما التي وصفها بالخاطئة في إدارة أزمات منطقة الشرق الأوسط، ومنها الأزمة الليبية، حيث وجه اتهامات لمنافستِه الديمقراطية، هيلاري كلينتون، التي ساهمت، وبشكل مباشر، في وصول ليبيا إلى حالة التأزم والأفق المسدود، نتيجة الاختيارات الخاطئة طوال فترة إدارتها الدبلوماسية الأميركية. وكان مقتل السفير الأميركي، كريستوفر ستيفنز، في 11 سبتمبر/ أيلول 2012 في بنغازي مدخلًا لتوجيه سهام نقده إلى كلينتون في تعاطيها مع الملف الليبي. اليوم وبعد فوزه برئاسة الولايات المتحدة، هل نشهد تحولاً وتغييراً جوهرياً في سياسات واشنطن تجاه ليبيا؟ إن حدث مثل هذا التغير، ما تأثير ذلك على المشهد السياسي الداخلي الليبي؟
اتسمت سياسة واشنطن في عهد أوباما بالتردّد وعدم الوضوح، حيث أكد الخطاب الأميركي دعم التحول الديمقراطي في ليبيا وحقوق الإنسان، ودعم الحكومات الليبية التي جاءت بعد ثورة فبراير/شباط 2011، من دون آليات واضحة لتنفيذ ذلك، ما بدا مجرد برامج بقيت حبراً على ورق. واكتفت إدارة أوباما، أخيراً، بدعم الاتفاق السياسي الليبي المعروف باتفاق الصخيرات، والذي جاءت حكومة الوفاق الوطني، برئاسة فائز السراج، أحد أهم مخرجاته. وأعلنت واشنطن تأييدها القوات الحكومية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدينة سرت، ووجهت ضرباتٍ عسكريةً جوية ضد التنظيم، وفي الوقت نفسه، أبقت إدارة أوباما على علاقتها الجيدة مع الأطراف الليبية المعارضة لحكومة الوفاق الوطني، وخصوصاً مع خليفة حفتر، ما جعل دورها أكثر تذبذبًا، ويتسم بعدم الجدية في تحقيق تقدّم في حل الأزمة الليبية، بل على العكس، ساهم عدم الوضوح والتردّد في إطلاق يد القوى الإقليمية في ليبيا، ما زاد من تدهور الأمور وانقسام واضح في البلد بين شرقٍ يحكمه جزء من الجيش الليبي، بزعامة حفتر المدعوم من برلمان طبرق، وغربٍ مضطربٍ تقوده حكومة السراج، المدعومة من كتائب ثوار مصراتة.
قد نشهد، بعد فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية، تغييرًا في سياسات واشنطن تجاه الملف الليبي، ولا سيما أن سيد البيت الأبيض الجديد سيُعلي من شأن استخدام "القوة الصلبة" (Hard Power)، وتجسد ذلك في خطاباته وشعار حملته الذي يدعو إلى عودة أميركا، مرة أخرى، لتكون قوة عظمى (Make America Great Again) على نقيض الرئيس السابق أوباما الذي كان متأثراً بالقوة الناعمة (Soft Power) أداة لتحقيق أهداف الولايات المتحدة الأميركية، واستخدام القوة العسكرية في حدودها الدنيا. الأمر يفرض على ترامب بناء استراتيجيةٍ واقعيةٍ هجوميةٍ من أجل تحقيق مصالح واشنطن في المنطقة، من خلال بناء سياساتٍ أمنيةٍ مع القوى الأساسية في الإقليم (مصر، السعودية، تركيا). يساهم ذلك في استرداد ما فقدته الولايات المتحدة الأميركية من النفوذ الدولي في عهد باراك أوباما، وهو ما سينعكس، بالطبع، على الملف الليبي، من ناحية تبني واشنطن مقاربةً لحل الأزمة الليبية، بالاعتماد على اللواء خليفة حفتر، حليف القاهرة، الذي يسيطر على الهلال النفطي في ليبيا، المنطقة الأكثر أهميةً، وكذلك على مناطق واسعة في الشرق الليبي، ودعمها عسكرياً وأمنيًا. وقد عبّرت قيادات سياسية ليبية وأنصار خليفة حفتر عن ارتياحهم لوصول ترامب رئيساً للولايات المتحدة، على أمل أن يُحدث تغييراً في مسار الأزمة الليبية، وطي صفحة إدارة أوباما وهيلاري كلينتون التي قادت سياستها إلى ازدياد دور الجماعات المتطرفة وتأثيرها، ما يقود إلى تراجع دعم واشنطن المجلس الرئاسي وحكومة السراج التي أخفقت في دفع عجلة المصالحة الليبية المتعثرة. ولا سيما أن ترامب غير معنيٍّ بالتحول الديمقراطي وحقوق الإنسان والعملية السياسية في ليبيا، وكل ما يسعى إليه هو محاربة الإرهاب، ممثلًا بداعش، من بوابة التعامل مع القوى العسكرية الأكثر فعاليةً وقدرةً في تحقيق الاستقرار الذي يضمن مصالح واشنطن في شمال أفريقيا.
العربي الجديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق