الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

نظرة من الداخل على داعش ــ ليبيا: الحجم والانتشار



طرابلس ــ عبد الله الشريف
يعرض مسؤول رفيع المستوى في قيادة جهاز الاستخبارات العسكرية الليبية في مدينة مصراتة، في جلسة حوار شاملة مع "العربي الجديد"، معلومات غير مسبوقة عن حجم تواجد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على الأراضي الليبية، وعن العدد الفعلي لمقاتليه والمبالغات التي يتم الترويج لها في هذا الشأن. ويتطرق إلى التمييز الضروري بين "الداعشيين" حقاً، فكرياً وتنظيمياً، من جهة، والمرتزقة الكثر الذين قاتلوا ولا يزالون إلى جانب التنظيم، من جهة أخرى. ويعرض المصدر، الذي يصرّ على عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، خارطة بالتباينات القبلية التي سهلت التجنيد في صفوف "داعش"، واستغلال الهجرة السرية في هذا السبيل، مقدماً خلاصة لا ترجح أن يتمكن "تنظيم الدولة" من إيجاد موطئ قدم دائم وثابت على الأراضي الليبية بعد خسارة سرت.
ويقلل المسؤول الليبي من أهمية التقارير والتصريحات الإعلامية لمسؤولين تحدثوا عن حجم وقوة "داعش" في ليبيا، واصفاً هذا التنظيم باعتباره أداةً للتخويف الإعلامي، ومؤكداً أن الصورة المعطاة عنه بعيدة عن الواقع. ويقول المصدر، والذي يشغل وظيفة مهمة في جهاز الاستخبارات العسكرية بمصراتة، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، إن "ملف داعش في ليبيا اختلطت أوراقه بشكل كبير وعملت الماكينة الإعلامية على تضخيمه والسعي لإيهام الناس بخطورته"، مضيفاً أن "التسويق الإعلامي من خلال صور القتل والدم والقصاصات هو ما مكّن داعش" من الظهور بمظهر التنظيم الكبير. ويتابع قائلاً: "لقد كانوا في درنة شرقاً وصبراتة غرباً لا يتجاوزون العشرات، والعدد المتبقي منهم بالفعل لا يتجاوز العشرات من الجنسية الليبية وما يماثلهم من الجنسيات الأخرى".

وتعقيباً على كلام مسؤولين غربيين بأن أعداد "داعش" بليبيا تصل إلى الآلاف يؤكد المسؤول الاستخباراتي أن هناك مقاتلين "ولكن ليسوا من داعش فهم مرتزقة قاتلوا من أجل المال وأعدادهم تزيد وتنقص حسب قدرة التنظيم على التمويل والدفع للمرتزقة". ويشرح المسؤول نفسه بأنه "يمكن التأكيد على أن المنتمين فكرياً وتنظيمياً للدولة الإسلامية من الليبيين ليسوا بالكثر، فالمعلومات تشير إلى 17 منهم في درنة وسبعة في صبراتة و8 من سرت". ويوضح أن "جلب المرتزقة للقتال حصل في مرحلة لاحقة عندما اتسعت دائرة داعش من خلال اتصال قبائل بهؤلاء القادة ليشكلوا حواضن اجتماعية لهم ومن أبرزهم أفراد مؤثرون من القذاذفة وورفلة على صلة بالنظام السابق".
ويذكر المسؤول الأمني أن "سقوط داعش في درنة وصبراتة، في مقابل نجاحه وتركزه في سرت سببه أن التنظيم لم يجد ما وجده في سرت، أي القذاذفة وورفلة". ويوضح أنه "من خلال شخصيات داخل هاتين القبيلتين تمكن داعش من الاستفادة من تجار الهجرة غير الشرعية"، لافتاً إلى أن لهاتين القبيلتين "امتداداً إلى الجنوب وحتى وسط تشاد". ويكشف أن لدى جهاز الاستخبارات الليبية لائحة بأسماء من سهلوا عملية جلب المرتزقة من كل الجنسيات، "وفي قبضتنا بعضهم ويمكنني أن أذكر سليمان الحداد أحد أهم مهربي البشر في ورفلة"، حسب قوله.
وعن هذا الموضوع، يتابع المصدر في الاستخبارات أن "حسن الصفراني المقرب من النظام السابق ومن أبناء سرت، وسليمان الحداد، تعاونا بشكل وثيق من خلال عناصر النظام السابق في مصر مع العقيد، علي شيدي، المكلف من قبل اللواء خليفة حفتر بالسيطرة على حقول تازربو والسرير، أقصى جنوب ليبيا، بواسطة قوات مؤلفة من عناصر تشادية وأخرى تابعة لحركة مني مناوي السودانية مقابل مبالغ من المال". ويفصّل بالحديث كيف اشتروا السلاح من التنظيمات المتمردة الإفريقية، وأن لقاءات جمعتهم مع شخصيات يدعى أحدها، عباس أصيل، وآخر يدعى أحمد ابو تنقا، في تراغن وربيانة، أقصى جنوب ليبيا، في سبيل تنسيق العمل المشترك مع "داعش"، على حد تأكيده.
ويواصل المصدر الأمني الليبي كلامه ويتوقف عند محطة رئيسية تمثلت بوصول "داعش" إلى مرحلة لم يعد معها يحتاج لـ"شراء المهاجرين" بعدما أصبحت سرت قبلة لطلاب الأموال لا سيما من جنسيات عربية وأفريقية. حتى إن البعض صاروا يأتون فقط من أجل تنفيذ عملية واحدة للحصول على مبالغ طائلة ومن ثم يغادرون". ويكشف أن التحقيقات مع الأسرى من مقاتلي التنظيم أثبتت أن أغلب المحاربين الذين توجه بهم "داعش" للسيطرة غرب سرت وصولاً إلى مشارف مصراتة في مايو/أيار الماضي، هم من هذا الصنف (المرتزقة لعملية واحدة أو أكثر)، "وإثر ردة الفعل العسكرية العنيفة تهاوت قواتهم سريعاً لأنهم غير مدربين وليس لهم ولاء للتنظيم".

ولا ينكر المسؤول الذي يفتح أسرار جهاز الاستخبارات لـ"العربي الجديد" أن دُعاة التنظيم نجحوا في زرع أفكارهم التكفيرية في عقول قطاع من الشباب الليبي، لكنهم لم يتمكنوا من تدريبهم وبناء قدراتهم القتالية. ولذلك إن "أقصى ما استطاعوا فعله هو العمليات الانتحارية" وفق قوله. أما عن مصادر تمويل "داعش"، فيجيب أن "هذا حجر الزاوية الذي عجل بسقوط التنظيم في ليبيا، لأنهم اعتمدوا على تبرعات شخصيات قبلية دعمت واحتضنت داعش، وأيضاً من خلال أكثر من خمسة اقتحامات لمقار البنوك في سرت وفي أكثر من منطقة جنوبية"، موضحاً أن "داعش" فهم أن هذا مصدر غير مستدام للمال، لذلك حاول الاتجاه إلى موانئ النفط لتعويض نقص موارده ولكنه فشل في ذلك مرتين، على حد تعبير المصدر الاستخباراتي.

ويسلط الرجل، في حديث مع "العربي الجديد"، الأضواء على عوامل أخرى تسببت في تهاوي التنظيم سريعاً في ليبيا، تمثلت في الانشقاقات الكبيرة في صفوفه. ويكشف أن جهاز الاستخبارات الليبية يعتقد أن "الفرع الليبي لداعش تسربت إليه الخلافات الفكرية وعلى الزعامة مبكراً"، ويقول "فنحن نعلم أن سرت شهدت أكثر من مواجهة دامية بين مقاتلي داعش بسبب الخلافات على القيادة". وعن أصول هذا الخلاف، يشير إلى أن "قادة التنظيم من المدينة عارضوا أكثر من مرة وجود قيادات أجنبية ومن جنسيات عراقية وسورية". حتى إنه بحسب المصدر نفسه، "وجد مقاتلو السلطات الليبية الشرعية في المربعات الأخيرة في سرت عناصر تمت تصفيتها، على ما يبدو، على يد زملائهم في داعش بسبب مثل هذه الخلافات" التي وصلت أسبابها إلى اقتسام المغانم والسرقات، على ذمة المصدر.
وعن وجود التنظيم خارج سرت، يرجح المصدر الليبي ألا يكون هناك حضور قوي بل "خلايا نائمة أو جيوب متفرقة غير مترابطة في حالة فرار دائم بسبب عدم وجود أي مكان لإيوائهم بشكل ثابت". ويرد المصدر على ما ينشر من تقارير إعلامية تتحدث عن الجنوب الليبي كمكان مرشح ليحتضن الهاربين من سرت وغيرها من أماكن طرد منها التنظيم، فيستبعد حصول ذلك "لأن الجنوب الليبي يتواجد فيه تنظيم القاعدة عدو داعش بشكل كبير، إذ أقدم التنظيم الأم، بالفعل، على تصفية وقتل عناصر من داعش"، بحسب تأكيد المسؤول الاستخباراتي الليبي.

العربي الجديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق