الجمعة، 29 يناير، 2016

راشد الغنوشي : تونس تملك مفتاح هزيمة تنظيم الدولة

أدرك العالم، بعد خمس سنوات من سقوط أول ديكتاتور في الربيع العربي، بأن عملية التحول الديمقراطي أبطأ وأدق مما كان متوقعا. وبعد قوة الشعب وقدراته، التي كانت البريق الذي سيطر على خيال العالم، نرى أن معظم المنطقة غارقة في الصراع، دون أن يتحقق التغيير المرجو. وخلقت الفوضى التي تسببت بها الأنظمة الاستبدادية مساحة لظهور ونمو تنظيم الدولة، الذي يقدم رؤية سياسية لا تقوم سوى على العنف والموت.  
 وفي خضم الصعوبات، تبقى تونس، حيث انطلق الربيع العربي، نورا مشرقا في المنطقة، ومع أن المشروع الديمقراطي في تونس لا يزال في مرحلة الطفولة، حيث ذكرتنا المظاهرات الأسبوع الماضي بالتحديات التي تواجهنا، إلا أن هناك أسبابا كثيرة تدعو للتفاؤل.


إن تقدم تونس هو أفضل رد على ادعاءات المتطرفين بأن الإسلام والديمقراطية لا يتوافقان. وقد عقدنا ثلاثة انتخابات حرة ونزيهة، وتشارك النساء مشاركة فعالة في الحكومة والحياة السياسية، ولدينا دستور يكرس القانون وفصل السلطات، ويحترم حقوق الإنسان، بما في ذلك حرية التعبير والضمير.

وفي الوقت الذي تقوم فيه تونس بتجاوز الجسر باتجاه الديمقراطية، فإن كثيرا من الجيران سقطوا. وقد أثبت لنا التاريخ دائما بأن البلدان التي تكون في حالة تحول سياسي تكون هشة، ويمكن أن تنزلق إلى الفوضى بسرعة عندما تبدأ المجموعات بوضع مصالحها فوق مصلحة البلد. وقد فهم حزب النهضة هذا الأمر، وسعى إلى التوصل إلى توافق سياسي مع الأحزاب جميعها، ومع رجال الأعمال وجمعيات المجتمع المدني في تونس خدمة لمصالح البلد.

وكان واضحا أنه يجب ألا يتفرد حزب بحكم البلاد في مرحلة التحول، ولذلك مددنا يدنا للتعاون مع الأحزاب الأخرى؛ لإنشاء حكومة ائتلاف ثلاثي بعد الثورة، ثم تنازلنا عام 2014، وكنا نملك الأكثرية، ولكننا أدركنا أن الديمقراطية تتطلب أكثر من حكم الأكثرية، فهي تتطلب التوافق حول المبادئ الرئيسة، فضمن الاعتدال المبالغ فيه، والاستيعاب الذي تم تبنيه في تونس، الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأبقى على زخم الإصلاح الديمقراطي.

وتحتاج المنطقة بشدة إلى هذا النوع من الاعتدال، فالاستقرار يحتاج إلى تصالح بين الفصائل المختلفة من خلال الحوار والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع. وفقط من خلال احترام التعددية والاتفاق على ضمان حقوق الجميع، نستطيع التخلص من شبح الطائفية والتطرف والاحتكار، وأثبت الاستيعاب السياسي في تونس أنه الحل لمستقبل المنطقة. 

ولكن وفي عالم متشابك، وفي منطقة مضطربة، لن تستطيع تونس الوصول إلى ديمقراطية مستقرة وحدها، فالأمن يبقى عاملا مهما في عملية التحول الديمقراطي. وغالبا ما تكون هجمات تنظيم الدولة حديثا في تونس، تستهدف تقدم تونس وتمكنها من رسم طريق معتدل لها، بعيدا عن الفوضى للوصول إلى الاستقرار الديمقراطي. فالفوضى وغياب السلطة الشرعية يشكلان شريان الحياة بالنسبة لتنظيم الدولة، وخطاب التنظيم يسعى إلى تقويض أي دعم للديمقراطية، ومثل المجموعات المتطرفة في العالم كلها، فإن أعضاءها يطرحون حلولا مبسطة لمشكلات معقدة، ويجذبون مؤيدين بإثارة المخاوف والكراهية.

ينبغي على أصحاب القرار في أنحاء العالم كله أن يدركوا أنه لا توجد حلول سهلة لقضايا صعبة، صحيح أننا نحتاج أن نحارب التهديد من خلال تحسين عمليات الشرطة والتدريب والمعدات وقوات الأمن، ولكن تبقى هناك حاجة إلى استراتيجية متطورة لمحاربة التطرف تدرس بالذات الدوافع لدعم التطرف. وعادة ما يكسب دعاة التطرف المؤيدين، عن طريق تخويف الناس بشأن المستقبل، وتوفير فرص اقتصادية للناس الأكثر عرضة للتأثر. وهناك حاجة إلى استراتيجيات تطوير محلية تعالج المشكلات المحلية، وتوفر الوظائف والفرص الاقتصادية، وبالذات للشباب. ونبعت احتجاجات الأسبوع الماضي من الإحباط بسبب البطالة، ما يؤكد الأهمية الملحة لتوفير مستقبل اقتصادي أفضل للتونسيين.

لن تخلق المقاربة الأمنية المتشددة الأمل أو الفرصة التي يحتاجها الناس بشدة، كما أن هناك حاجة إلى رواية مضادة مقنعة لمواجهة الدعاية التي تبثها المجموعات المتطرفة عبر قنوات كثيرة، ودعم الديمقراطية والتعددية السياسية، كونه الطريقة المثلى لحل التحديات الاجتماعية، أمر أساسي لهذه الرواية المضادة. وهذا يعني أن على الأحزاب والجهات الفاعلة الدولية كلها احترام العملية الديمقراطية، بغض النظر عن رضاها عن النتائج الانتخابية.

ويستغل تنظيم الدولة وغيره من المجموعات الخطاب الديني؛ لتبرير سعيهم للسيطرة السياسية، ويجب على الرواية المضادة الفعالة أن تنقض رواية تلك الجماعات مباشرة، بعرض تفسير يتناسب مع روح الإسلام كما يعيشه ويطبقه أكثر من مليار مسلم على الأرض، وهو دين رحمة واحترام وتعاون وتعايش. وكونهم جزءا من المسلمين الديمقراطيين، فإن أعضاء حزب النهضة يعتقدون بأن القراءة الصحيحة للإسلام هي الطريقة المثلى لهزيمة تنظيم الدولة وتفسيراته المشوهة.

من المبكر جدا القول إن كانت أحلام الثورات العربية في طريقها للتحقق، فقد استغرق الأمر في أوروبا أكثر من 100 سنة، بعد ثورات كانت في العادة عنيفة، وقد دخل العالم العربي مرحلة جديدة من التحول الديمقراطي، قد تأخذ 10 أو 20 عاما لتثمر. وفي منطقة فيها تباين ثقافي وإثني وديني كبير، ولديها أهمية استراتيجية كبيرة، فإن الطريق إلى الديمقراطية مليئة بالمطبات.

ولذلك فإنه من المهم أن نبقى موحدين في وجه التحديات، وأظهرت تونس أن الاعتدال الذي يقتضي الحوار السياسي طريقا وحيدا لحل الصراعات السياسية، هو الأساس القوي للتغيير المتدرج والقابل للاستمرار. ويعمل التونسيون اليوم معا، متجاوزين الحدود السياسية والاجتماعية؛ لضمان رؤية تمنح التمكين، الذي يضمن أن تكون الحرية والكرامة الإنسانية والمساواة هي القيم التي تقود جهود التحول الديمقراطي. فالحوار السياسي وقبول الآخر والاستيعاب هي الحلول الوحيدة للصراعات في سوريا وليبيا واليمن وغيرها من الأماكن في المنطقة.


لن يكون التغيير سهلا، فدائما ما يولد الإصلاح مقاومة ومعارضة. وتعمل حكومة التآلف التونسية على إصلاحات تعالج المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي أبرزتها الثورة، والأهداف الرئيسية تركز على خلق الوظائف والتخفيف من الفقر. ودعم الأصدقاء  والحلفاء ضروري جدا لتونس، التي تعد جسرا للعالم العربي، ووسيطا للتغيير السلمي، ومثالا للتفاوض والتوافق والإصلاح. وتستمر رحلتنا الديمقراطية.

نقلا عن عربي21

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق