الاثنين، 9 نوفمبر، 2015

كتاب - "مسالك وعرة" لطارق متري في ليبيا والجدوى الضيقة


جوزف باسيل
عمد طارق متري الى سردية ضمّنها تحليلاً وتوقعاً وابداءً للرأي في مآلات الاوضاع الليبية خلال سنتين بين 2012 و2014، كاشفاً بصفته ممثلاً للأمين العام للأمم المتحدة هناك، عن الفرص الضائعة والمشكلات البنيوية للدولة والمجتمع في ليبيا.


في كتابه "مسالك وعرة – سنتان في ليبيا ومن أجلها" (دار رياض الريس) يعرض طارق متري الواقع الليبي، ويعدد الفرص الضائعة، وخصوصاً في نهاية خدمته الأممية في شهر حزيران 2014، حين أطاحت "أوهام الغلبة فرصة التفاهم والتوافق قبل الانفجار المعلق لتعود القوى المتصارعة بعد أشهر الى حوار سياسي طويل، معترفة ضمناً باستحالة انتصار فريق على آخر". لا يقف هذا الكتاب عند حدود السرد، رغم أنه بمثابة مذكرات، فهو يتأمل في الواقع الليبي ما بعد ثورة 2011 ويقوم بمحاولة تفسير تتناول عسر التحول الديموقراطي في ليبيا من غير جانب، وكذلك يصف وعورة الطريق الى اعادة بناء الدولة محاذراً رد النزاعات الداخلية الى واحد من اسبابها.
لم يكن تفادي التقاتل مستحيلاً بعد ثورة سالت خلالها دماء كثيرة، غير أن استعجال الصراع الحاد على السلطة، وراء قناع المنافسة السياسية وبقوة العصبيات، طغى على اولوية بناء الدولة والسلم الوطني، وغابت قضية الوفاق الوطني خلف النزاع على أهداف الثورة وعلى نبذ التطرف.
يتهم متري النخب الليبية بأنها قصَّرت "تقصيراً خطيراً" لا يعوضه اللوم الملقى على دول خارجية "بتهمة الانحياز او شبهته"، ولا الشكوى من محدودية الدعم الدولي. لكنه يعترف، الى جانب عجز النخب، بإخفاق المجتمع الدولي في المساهمة الفاعلة في التحول الديموقراطي لليبيا، فالدول التي اسقطت النظام السابق "لم تفعل إلاّ القليل من أجل بناء الدولة الجديدة. وتبيّن انها مثلها مثل أجهزة الامم المتحدة لم تعرف الكثير عن ليبيا". إن المشكلة في ليبيا هي الصراع على السلطة، كما هي الحال في كل دول المنطقة، لكن قبل قيام الدولة، بمعنى من سيحكم كي يستفيد من الغنيمة المتمثلة في عائدات النفط التي تدفع أجوراً للموظفين ونفقات للمسلحين واعانات "سخية" لأسر "الشهداء" والجرحى.
الولوج الى الديموقراطية بالانتخابات لم يثبت دعائم النظام السياسي، لأنه ليس سهلا الانتقال بالشعب من حال الرعية الى حال المواطنية، بالانتخابات وحدها، فثمة سلّم قيم يجب تنفيذها قبل بلوغ الديموقراطية، فضلا عن ان الديموقراطية لا تنسجم مع مبادئ السلطة الدينية – المذهبية والشرائع الالهية المصبوبة في رؤوس الرعايا ولا مع المفاهيم القبلية، ولا مع التخلف المسيطر بكل اشكاله ومضامينه، وبالطبع ليس مع السلاح المسيطر الفعلي على الشوارع والمناطق الليبية.
يقول متري ان المأزق الاكبر الذي واجهه حكام ليبيا الجدد الذين اوصلتهم الانتخابات الى السلطة "تمثل في رفض الثوار تسليم سلاحهم ما لم يستحق القيمون على الدولة ثقتهم". ويتدارك "ان ممارسة الديموقراطية تتطلب حداً ادنى من حكم القانون ووجود مؤسسات وثقافة سياسية وتمييزاً بين الوصول الى السلطة والاستحواذ على الدولة. ولم يتوافر ذلك في الانتخابات المستعجلة وفي ظل الشرذمة وعدم الاستقرار".
يأتي الانقسام الليبي على التفرد بالسلطة والحكم بين مجموعات مختلفة: ثوار وبقايا نظام القذافي، تسميات مختلفة لشراذم مسلحة، قبائل وعشائر، مناطق ومدن... واخيراً بين من يطلب دوراً للامم المتحدة او الدول الغربية في بناء الدولة، ومن يرفضه.
لذلك اقتصر دور الامم المتحدة على بعثة للدعم السياسي والمدني، وهذا ما يفصله متري في الكتاب، اي مجريات عمله وما انجز أو لم ينجز. وهو يقول "لا يؤرخ هذا الكتاب سنتين – اللتين قضاهما هناك – من عمر ليبيا بنحو واف. فهو يتوقف عند حوادث ويُعرض عن أخرى متتبعاً ما عاينته مباشرة وقمت به... إنه أقرب الى شهادة تتوخى الدقة ولا تنقصها الصراحة، والى مذكرات اختارت الانتقاء او الاختصار". فهو لم يتحدث عن الفساد ومشكلات الصحة والتعليم والبطالة والمخدرات وغيرها، وحتى مبادرات وانشطة قامت بها البعثة.
حين يعرض المرحلة الاولى من التحاقه بليبيا يكشف عن الواقع الذي تعلم منه طبيعة مهمته وحدودها ومعوقاتها والتباساتها، ولم يُفده التكليف الاممي في ذلك. في المرحلة الثانية ظهرت بقوة مشكلات ما سمِّي حسب المصطلح الاممي "التحول الديموقراطي"، وخصوصا على صعيد بناء دولة الحق والمؤسسات. واحاطت المرحلة الثالثة اخفاقات العملية السياسية نتيجة الخروج عن قواعدها والتأثر بالتبدل المستمر لعلاقات القوى. ووصفت المرحلة الرابعة انتكاسة ليبيا بفعل أوهام القوة وسقوطها في نزاع مسلح طال زمنه، وبات أقرب الى حرب أهلية حارّة حينًا وباردة احيانا.
ويختم متري أنّ الكتاب لم يقصد "إصدار أحكام قيمية على أصحاب المسؤوليات المشتركة. حسبه اظهارها والاعتراف بأنها لا تفسِّر وحدها اضطرابات ليبيا الخطيرة. لكن العوامل المؤثرة الاخرى اجتماعية أكانت أم اقتصادية أم جيوسياسية تستحق دراسات أوسع تفتقر اليها المكتبة العربية".

يذكر أخيراً أن الكتاب جاء في 340 صفحة من القطع المتوسط، وتضمّن فهرس أعلام جمع اسماء معظم اللاعبين الأساسيين داخل ليبيا وخارجها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق