الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

د. فتحي خليفة عقوب : ما بعد القذافي، وسلاح المرحلة


بمقتل طاغية ليبيا دخلت البلاد مرحلة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة، وانزاح همٌّ كبير كان جاثماً على الصدور، أرهق العقول واستهلك الجهود. بالرغم من ذلك ومما سبقه من انتصارات، أزعُمُ أنه لا يزال مشوار الثورة طويلا، وآية ذلك عناوين المرحلة ومتطلباتها التي باتت تفرض نفسها وتحثُّ الثُّوارَ بقوة على أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم، لا أسلحة الميدان وحسب، ولكن أسلحة أخرى قبل ذلك أزعم أنَّ الوعي يتربَّعُ على قِمَّتها، لأنه دون مواربة هو أسُّ العملية وأساسُها، إذ الوعي يُرشد إلى كثيرٍ من مصالِح الثورةِ و مَظَانّها ويرفد العديد من مكتسباتها ويدعمه، ويحفظ كل ذلك ويسدده بتوفيق من الله تعالى ثم بجهود المخلصين من حَمَلَةِ الثورة وعِمَادها، وممن كانوا وقودها وزادها، الذين ينبغي أن يدركوا جيدا أنهم ليسوا وقواد للحرب فقط، بل وقودُ الوطنِ حربا وسلماً، هدما للطاغوت وبناء للمجتمع الحرّ السعيد، لماذا ؟ وكيف ؟



أولاً : لتحقيق مطلب التحول الديمقراطي؛ إذ إنّ من أهم مطالب الثورة التي هتف بها ثوار ليبيا تحقيق تحولٍ ديمقراطيٍّ يجسد حقوق المواطنين ومطالبهم السياسية في اختيار شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وفق آلياتٍ سليمةٍ، وهذا بحد ذاته يفرض الوعي بالعديد من النقاط الأساسية ومنها :
-      ماهيَّة التحول الديمقراطي المنشود.
-      مراحل هذا التحول وخطواته، يجب ان يكون ثمّة وعي تام بها.
-      آليات تنفيذ تلك المراحل وخطواته على أرض الواقع.
-      من المسؤول عن كل ذلك، وعن تنفيذه؟ ومَن الذي يُخوّلها ذلك؟ وكيف؟
أسئلة لا أشك أنها جديرة بالعناية والرعاية، لنكون على بيّنة مما هو آتٍ، ولكي لا يستغل أحدٌ انشغال كثير من الثوار الفترة الماضية بالجبهات وبأعمال الإغاثة والدّعم لتمرير أجندته الخاصة أو محاولة تحقيق مكاسب شخصية أو حزبيّة ضيّقة سابقة لأوانها.

ثانياً : تأسيس مجتمع مدني فاعل؛ ذلك أن النظام البائد قد عمل خلال أربعة عقود من الزمان على هدم البنية التحتية للمجتمع، مع العمل على هدم البنية التحتية للوعي الذاتي لدى أفراد ذلك المجتمع، وذلك بهدف القضاء على كل آليات إنتاج الوعي لدى أفراد المجتمع وبخاصة النخب والشباب الذي يناط بهم أساساً الدور الأهم في توجيه المجتمع المدني وتفعيل دوره، وبالتالي كان سعي النظام البائد حثيثاً وجاداً للقضاء على جميع بنى المجتمع التي قد تحيي ذلك الجسم يوماً وتجعل له إرادة وقراراً ذاتياً. وهذا هو ما دفع النظام البائد للحديث عن أنه : "لا حاجة لنا في ليبيا إلى مجتمع مدني" وهذا بناء على خرافته الحمقاء فيما يسمى "المجتمع الجماهيري" الغوغائي، وهنا لسنا بحاجة من التخلص من بعض أفكار القذافي الغوغائية، بل التخلص من الظاهرة القذافية جملة وتفصيلاً.

ثالثاً : إعلام حرٌ ونزيه؛ إذ يجب أن يتمسّك الثوار ودون هوادة ولا تفاوض أو تنازل عن وجود وسائل إعلام مستقلة عن سلطة أي مؤسسة رسمية، لتقوم بمهمة التوعية بالمرحلة القادمة، بحيث لا يترك المجال مفتوحاً لعودة الإقصاء والاستفراد بالجمع، أو الإملاء على الناس من طرفٍ واحدٍ، لأن هذا يعني إعادة صنع نموذج قذّافيّ آخر، في أسلوب "حديث" وصاية من قبل أطراف لا تمثّل كامل النسيج الوطني وإنما هي جزء منه فقط، ومهما كان أيُّ طرف وطني صادقاً وحريصاً على المصلحة العامة، فإن تساوي الفرص في الإعلام أمرٌ لا ينفك بحال عن أيِّ مطلبٍ يتعلق بعملية التحول الديمقراطي المرتقبة. كما أن نَبضَ الشَّارع ومشاكله وصوته الحر يجب أن يُنقل ويبقى حاضراً، لأنه بمثابة استفتاء مباشر عن أداء مؤسسات الدولة سواء في المرحلة الانتقالية أم بعدها، كما ينبغي أن يناط بالإعلام دور حفظ روح الثورة متوقِّدة حيّة في النفوس، صمامَ أمانٍ في وجه أيّة محاولات للالتفاف أوالتحايل أو الاستغفال.

لكل ما سبق وغيره، أعتقد جازما بأن سلاح الوعي هو أكثر الأسلحة فاعلية؛ فهو سلاح المحافظة على مُكتسبات الثورة وصيانتها من الاختطاف، وهو أهم أدوات بناء المجتمع والدولة، كما أنه دون شك هو الآلية الأكثر أهمية اليوم لمواكبة التحولات والتطورات داخلياً وخارجياً، ومن هنا أوجِّه دعوتي للشباب بأن يأخذوا بزمام المبادرة وأن ينظموا أمرهم وصفوفهم، وأن يلتفوا حول ثورتهم وأن يُحافظوا على جذوتها وأن يَظلُّوا مُستيقظين لما هو آتٍ وأن لا ينشغلوا عن الأولويات، كما عليهم أنْ لا ينشغلوا عن بناء وعيٍ ذاتيٍ يكفل لهم دورا حقيقيا ومشاركة فاعلة في بناء وطنهم لكيلا يُستَغفَلوا ولا يَرْضَوا بأن يكونوا بعد اليوم "إمّعة" لأحدٍ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق