الاثنين، 3 أكتوبر، 2011

مرعي مصطفى بوعمود* :الدولة العثمانية: من حكم الفرد إلي حكم الرعية 3

4. المرحلة الدستورية :
      أدركت النخبة العثمانية أن هذه التنظيمات التي صدرت من فوق، وبإعلان من الإرادة السنية (السلطان)، لابد وأن تفضي إلى قانون أساسي للحكم ينظم العلاقة بين الهيئة الحاكمة والرعية عبر تمثيل برلماني. وكان على رأس هذا التيار النخبوي مدحت باشا، الذي شغل مناصب رفيعة في الدولة، ثم أسند إليه السلطان عبد الحميد الثاني منصب الصدارة العظمي (رئاسة الوزراء) عندما تولى العرش في العام 1876. ونجح مدحت باشا في حمل السلطان على إعلان القانون الأساسي(الدستور).  
وقد علق سليمان البستاني على هذا الإنجاز بقوله: (أما الدستور الذي نحن بصدده، وقد ارتج العالم لإعلانه، فهو الحكم النيابي على الطراز الحديث، حيث تحكم الأمة نفسها بنفسها، مع حفظ حقوق الخليفة الأعظم. وبالفعل أعلن السلطان هذا الدستور في 19 ديسمبر 1876، لكن السلطان ما لبث بعد سنة من التجربة أن علق الدستور وحل البرلمان متذرعا بالحرب مع روسيا، ليصار فيما بعد إلى فرضه عليه فرضا عبرانقلاب عسكري في العام 1908. ومهما يكن من أمر تعثر تطبيق الدستور والعوائق التي واجهته، فإن ما جاء في الدستورالعثماني من مبادئ وقواعد ديمقراطية، كان آنذاك ثورة في الثقافة العثمانية، ومنطلقا تأسيسيا لفكر دستوري، كان يرجى منه أمل عظيم في النهضتين العربية والإسلامية، لولا إخفاقه لظروف وعوامل ينبغي دراستها من جديد. على أي حال، لا بأس من إستذكار بعض مبادئ الدستور العثماني، لعل بعض النخب الغارقة في عقدة الداخل والخارج تتذكر أن ثمة مشكلة أكبر شغلت أسلافهم غير مشكلة الداخل والخارج، وهي مشكلة كيف نبني الدولة الديمقراطية الحديثة القائمة على دستور يضمن حق المشاركة السياسية ويحقق التقدم والرخاء وينهض بالمجتمعات العربية والإسلامية ليدخلها في مسارالتاريخ العالمي ومستقبله . شدد الدستور العثماني في مادته العاشرة على الحرية الفردية (الشخصية)، وفي مادته الثانية عشر على حرية الصحافة، وفي المادة 13 على حق العثمانيين في تكوين الجمعيات والشركات والمؤسسات، وعلى حق المواطن في الاعتراض على الأحكام وتقديم الإحتجاجات إلى البرلمان، كما نص الدستور ايضا على حرية التعليم وعلى المساواة أمام القانون. ويراهن سليمان البستاني على الحرية لينهض المجتمع على كافة المستويات، وخلال ربع قرن من تطبيق الدستور، فيقول (إنه بإنطلاق الحرية الشخصية المقيدة بقيود الحقوق وفروض العدل والذمة، تنمو سائر الحريات، فتتسع معاهد العلم لكل أنواع العلوم مما كان مباحا وما كان محظورا. وإن ربع قرن يكفي لتخريج ناشئة جديدة على نفس جديدة وروح جديدة، لم تتأثر بشيء من مؤثرات الإستبداد. يكفي هذا الزمن لجعل صحافتنا و أربابها ممثلو الرأي العام وقادة الأفكار ترتقي الرقي الصحيح).
الخلاصة :
     إختلف المؤرخون في تقييم الإصلاح العثماني، فمن قائل إنها جاءت بضغط أوروبي، وإن إجراءات السلطان وأهل الحكم إنما كانت التفات على هذا الضغط تمويها وتحايلا، إلى قائل إنها كانت تعبيرا عن قناعات فعلية لدى السلطان وبعض وزراءه الإصلاحيين لإنقاذ الدولة وتقويتها في مرحلة وصل فيها الصراع الدولي بين القوى الأوربية إلى ذروته في عملية الاكتساح وإستعمارالأراضي. أما الواقع التاريخي فيشير إلى تداخل العاملين معا, إذ لا يمكن في دراسة حركة تاريخية غنية ومتعددة الأبعاد أن نفصل العوامل بعضها عن بعض. وفي حالةالإصلاح العثماني في القرن التاسع عشر، كانت الرأسماليات الأوربية قد اجتاحت العالم بسلعها وأسواقها وحاجات مصانعها للمواد الأولية، وكانت طرق المواصلات التقليدية وخاصة طرق المتوسط وحوضه قد أضحت، مع اكتشاف العالم الجديد (أمريكا) و إكتشاف رأس الرجاء الصالح، جزءا هامشيا من فعالية الاقتصاد العالمي، فكيف يمكن لإمبراطورية متوسطية كالدولة العثمانية أن تتصرف وتتعامل مع المعطيات الجديدة التي غيرت الجغرافية التاريخية تغييرا جذريا؟ هذا من جهة, ومن جهة أخرى، إذا كانت الرأسماليات الأوروبية قد غيرت مجتمعاتها ونقلتها من نظام قديم إلى نظام جديد ومن ثقافة تقليدية إلى ثقافة جديدة، أي نقلتها من مؤسسات قروسطية إقطاعية إلى مؤسسات حديثة برجوازية ومدنية، ومن حالة دول ذات حكم مطلق إلى دول ذات أنظمة دستورية وديمقراطية، ومن مجتمعات رعايا وتابعين وأقنان إلى مجتمعات مواطنين أحرار، ومن حالة أسواق مغلقة ومعزولة إلى أسواق واسعة موحدة ومنفتحة على أسواق العالم, فماذا نتوقع من إمبراطورية كلاسيكية كالدولة العثمانية أن تفعل حيال حضارة تغزوالعالم وتقدم له أنموذجا جذابا في شتى المجالات: في الاقتصاد وقوة الدولة ودينامية المجتمع وفعالية القوانين والمؤسسات وإشعاع العلم والثقافة في الجامعات والمدارس والمكتبات.
     لقد كانت حركة الإصلاح العثماني عموما، الجواب المتوقع لمسار تاريخي لابد منه وهو مواكبة التحولات الدولية واللحاق بتطور الرأسمالية الأوربية ذات البعد العالمي الحتمي

*طالب دراسات عليا بقسم التاريخ بجامعة بورتلاند ستيت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق