الخميس، 15 سبتمبر، 2011

د.الهادي بوحمره : إدارة الاختلاف


الاختلاف هو تنوع الآراء المطروحة بشأن مسألة معينة. هذا التنوع في الآراء يزيد من عملية الإنتاج الفكري في المجتمع، ويخلق جوا من التفاعل بين مكوناته الثقافية، ويوسع المدارك ويفتح الباب أمام الإبداع، ويزيد من إمكانية فهم المسألة ومن رصيد الحلول الممكنة بشأنها. فالجماعة التي تقبل الاختلاف يتاح لها أكثر من غيرها فرصة الوصول إلي البديل الحائز على اقل قدر من السلبيات وأكثر قدر من الايجابيات. كما أن ضمان الحق في التعبير عن الاختلاف هو أنجع وسيلة للمجتمع لمقاومة النزعات الاحتوائية الراديكالية التي تعبر عنها الأصولية بكافة أشكالها سواء الإسلامية منها أو العلمانية. على انه من اللازم إدارة الاختلاف على نحو يجعل منه قوة ايجابية ويتفادى من خلالها أن يكون مدخلا للشقاق والعداوة والبغضاء وانعكاسا للتعصب والأنانية. ولضمان ذلك يجب ضبط منهج إدارة الاختلاف من خلال مراعاة الآتي: 
أولا/ يجب أن يكون للجميع حق الاختلاف في إطار سلمي دون استبعاد أو تهميش مهما كانت مرجعيات الآراء المطروحة، لان الاستبعاد والتهميش هو العامل الأهم المولد للعنف، حيث إن جوهر السكينة الاجتماعية هو الاعتراف المتبادل بوجود الآخرين وحقهم في التعبير عن أرائهم. فلا يمكن أن يكون مجتمع دون صراع إلا أن هذا الصراع يجب ألا يكون اجتماعيا ويستبعد العنف بما في ذلك العنف المؤسسي الموظف لخدمة اتجاه معين. ومن هنا فان توفير المعطيات السياسية والثقافية لإظهار الاختلاف والقبول به هو أفضل وسيلة للوحدة ولتفادي تفتيت المجتمع إلي تيارات ذات خطابات منغلقة لا تعترف بالأخر. ومن لوازم ذلك استبعاد أي توظيف للقانون والقضاء من اجل محاربة الفكر. 

ثانيا/ يجب التركيز على ما يقال لا من قال لكي لا تتحول المسألة من مناقضة الفكرة إلي مناقضة صاحبها، حيث أن من أهم مثالب الحوار الحكم على الأفكار من خلال شخصية صاحبها . فالتدليل على أن الفكرة لا تتناسب مع الصالح العام يجب ينطلق من الفكرة ذاتها لا من التصنيف إلي وطنيين وغير وطنيين أو فاضلين وفاسقين، ولا مجال للرمي بالجحود أو الشرك أو البدعة أو الضلالة أو النفاق. فالفرق يجب أن يكون واضحا في أذهان الجميع بين الاتهام والحوار. ويعتبر هذا المتطلب بالإضافة إلي سابقه من أهم لوازم توطين حرية الرأي وتجنب هجران النخب السياسية للدولة. 

ثالثا/ لضمان فاعلية الاختلاف واستقلال وحياد ما يطرح، يجب العمل على تبنى الآراء على أساس منطقي وعقلي من خلال انطلاقها من إثارة الأسئلة حول المسألة ذاتها لفهم أبعادها والاتفاق على المعايير التي تقاس بها كفاءة الحلول من حيت رغبة الجماعة وإمكانية التنفيذ. الأمر الذي يسمح بالخروج من الافتراضي إلي الواقعي وإبعاد مظنة التعصب في طرح الرأي وفي اختيار الحل المناسب. ومما يسهل ذلك وضع الحوار في إطار( إيديولوجية) التنمية والبعد به عن غيرها من الإيديولوجيات . 

رابعا/ من أهم مرتكزات ايجابية الاختلاف،الدخول في الحوار من اجل مناقشة مسألة ما وتبادل المعلومات والاستنتاجات بشأنها وتمحيص الآراء مع الآخرين بعيدا عن القطعية والحتمية. وان كل ما يطرح هو عبارة عن احتمالات لا حقائق بديهية أو حلول نهائية، فالكل يجب أن يدرك أن رأيه احتمال من عدة احتمالات وهو اجتهاد والاجتهاد دوما ظني ولا يبرأ من شك أو مخالفة وانه لا عصمة لغير نبينا صلى الله عليه وسلم فكل منا يمكن أن يؤخذ منه ويرد عليه ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب). وبدون ذلك يفقد الحوار أهم مقومات وجوده ويتحول إلي جدل بين خصوم يحاول كل واحد منهم إفحام الأخر وعدم القبول به إلا إذا تحول إلي شبيه الذات. فلا يمكن لمن يقول بأحادية الحل لما يوجه المجتمع من مشاكل أن يدعى أي نهج ديمقراطي، لان ذلك هو مقدمة للقول بالاستبداد السياسي والإرهاب الفكري. 

خامسا/ وان كان من الأهمية بمكان عند مواجهة المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الاستفادة من التجارب المقارنة إلا انه يجب النظر إليها بدرجة من الدقة وعدم تقديمها كنماذج مثالية والاعتماد على نجاحها في دول أخرى للعمل على فرضها داخليا، لان وجود التشابه بين الظواهر المختلفة لا ينفي أن لكل منها ظروفها ومتغيراتها، على انه من المفيد لتفادي سلبيات نقل التجارب المقارنة وما يمكن أن ينتج عنها من خلاف نرى انه من المناسب أن تقتصر الاستعارة على استعارة المنهج للوصول للحل دون أن تمتد إلي الحل. 

سادسا/ أن الهدف من الحوار هو الوصول إلي توافق عام بشأن تشخيص مسألة ما وحلها، ولا توافق حقيقي بدون المرور بعملية تبادل الآراء وتمحيصها. فكما أن التوافق أمر حتمي، الاختلاف المنتج له هو – أيضا- أمر حتمي، فمن الاختلاف يظهر الائتلاف، وبدون إظهار الاختلاف لا يمكن أن يظهر توافق حقيقي. وإذا ما فهم الاختلاف هذا الفهم فانه يتحول إلي أهم صور التعاون لحل المشاكل التي تعترض المجتمع. ولإدراك ذلك يجب تجنب الاختلاف الوهمي والتوافق الوهمي بضبط المسائل والأوقات التي يتوقف فيها الأفراد عن استخدام التحليل الدقيق للمشاكل التي تعترض مجتمعهم ويكونون فيها تحت سيطرة التقليد أو العقل الجمعي. 

سابعا/ لا يجب أن ينظر إلي لحظة الوصول إلي توافق عام بشأن مسألة معينة أنها لحظة لإنهاء الاختلاف بشكل دائم، بل يجب أن يبقى الباب مفتوحا ، وهذا هو المنهج الديمقراطي الذي يعطى للجماعة أن تصحح نفسها بنفسها بشكل دوري والعدول عن الحلول إلي حلول أخرى، حيث أن هناك دائما بديلا للحالة الراهنة يحكم قيمته تغير الظروف. ومن هنا فان فكرة الجمود المطلق لأي توافق عام يودع في قواعد دستورية أو قانونية لا يجب أن يكون إلا في إطار ثوابت محدودة للغاية لا يقاس عليها ولا يتوسع في تفسيرها. لأنه بدون مكنة التطور الهادئ لن يكون هناك مفر من وقوع الاصطدام العنيف بين الفكرة الجديدة والفكرة الرسمية الجامدة بقصد تحقيق التطور بالطريق الثوري. مع ملاحظة أن التسليم بوجود ثوابت للمجتمع ذات طبيعة دينية أو ذات طبيعة وطنية لا يجب أن يمنع من الاجتهاد في شرحها وفهمها وتأويلها. فوجود ثوابت يقوم عليها التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لا يجب أن يتجاوز نقل إمكانية الاختلاف من الاختلاف في الوجود إلي الاختلاف في مداها ووسائل إدراكها أو المحافظة عليها. 

وبما أن إدارة الاختلاف وفقا لضوابط موضوعية هو حجز زاوية لأي عملية تستهدف التأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي وأحد صمامات الأمان لعدم النكوص والارتداد نحو التسلطية، وبما أن الفشل في ذلك هو أشد خطرا على المجتمع من الفشل في إدارة أي شأن اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أخر، فإننا نقترح- إضافة إلي ما يمكن أن يسن من ضوابط دستورية- تضمين هذه الضوابط مع ما يمكن أن يضاف عليها أو يلحقها من تعديلات أو حذف في ميثاق وطني أدبي إرشادي تتوافق عليه القوى السياسية والاجتماعية ليكون جانبا من جوانب التربية السياسية في هذه الدول التي دخلت أو تحاول أن تدخل مرحلة جديدة في تاريخها السياسي. 


abohamra@voila.fr 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق