الأحد، 3 يوليو، 2011

عبد الواحد رجب فى ذمة الله



  المرحوم سنة  2003

الفقيد الراحل ايام شبابه 
   
انتقل الى رحمة الله يوم الأربعاء الماضي ،التاسع والعشرين من يونيو ، بمدينة القاهرة ، الفنان الليبي الكبير ، الأستاذ عبد الواحد رجب رحومه ، بعد معاناة عدة سنوات ، بسبب أمراض التقدم فى السن ومتاعب الشيخوخة.
وجرى تشييع موكب جنازته الى مثواه الأخير، ظهر يوم  الخميس ، الثلاثين من شهر يونيو الماضى ، حيث ووري الثرى بمقبرة الأسرة بمدينة نصر ، بالقاهرة ، وحُمل جثمانه الطاهر ، فى موكب  متواضع ، مشى فيه الى جانب  أفراد أسرته ، عدد قليل من معارفه واًصدقائه المقيمين فى مصر ، ممن بلغهم خبر الوفاة ، ومن بينهم الرياضي الليبي القديم والمعروف دوليا ، السيد ونيس حبيب الله ، والأساتذة المحامين عبد الله  شرف الدين وعامر البكوش وعبد المجيد الميت.
الفقيد الراحل ، ولد بمدينة طرابلس سنة 1930 ،  وهو نجل مربي الأجيال، المرحوم الأستاذ رجب رحومه ، وقد درس الفقيد فى طرابلس  وتلقى تعليمه الجامعي فى مصر وتخرج من الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1956 ، وبدأ حياته العملية موظفا فى قسم المحاسبة بادارة ( لجنة البترول ) سنة 1957 قبل أن تتحول " اللجنة "  الى وزارة للبترول بعد تدفق النفط فى ليبيا والتأكد من ضخامة الانتاج .
وتدرج عبد الواحد رجب رحومه فى مناصب الوزارة حتى أصبح واحدا من كبار موظفيها ، وقد شارك فى عدة مؤتمرات دولية  وحلقات دراسية مهمة ، وكان ضمن الوفد الليبي الذي  شارك وعمل لتأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (OPEC) قبل أن يشترك بعد ذلك ، فى الاعداد لأحياء الذكرى العاشرة لتأسيسها  باعتباره واحدا من المؤسسين للمنظمة ، وذلك بتصميمه ( للطابع البريدي ) الذي أصدرته ليبيا بالمناسبة ، الا أن  "سيدة انجليزية " سطت على  الطابع وتمكنت - بالتواطيء مع موظف ليبي كبير فى ادارة البريد - من اجراء تعديل بسيط عليه وتقديمه الى منظمة الأوبك التى جعلت منه ( شعارها الرسمي )  ولا يزال كذلك حتى الآن !!



طابع البريد الليبى والى جانبه شعار الاوبك المسروق


الفقيد الفنان عبد الواحد رجب رحومه الى جانب ما تتوفر عليه شخصيتة من كفاءات علمية وفنية وادارية عالية واستقامة فى الاخلاق ورقي فى التعامل ، فقد كان متعدد المواهب الفنية والامكانيات ، من ذلك موهبته فى الرسم التشكيلي والنحت ، الا أن تغيّر الأحوال  والفوضى التي داهمت الوطن فى أعقاب الانقلاب العسكري العبثي المشبوه الذي وقع فى الأول من سبتمبر سنة 1969 واستيلاء المجموعة المتخلفة الحاقدة من صغار الضباط والعساكر على السلطة وتمكنهم من القضاء على النخبة من أعمدة الدولة الليبية وكل ما أنجزته دولة الاستقلال الوطني من تقدم ومكتسبات ، أصيب عبد الواحد رجب ومعظم أفراد جيله بالصدمة والاحباط وأضطروا الى النأي بأنفسهم عن دوامة الانقلاب وفوضى "الثورة" بالاستقالة من الوظيفة المهمة فى وزارة النفط وأفتتاح مكتب فني للمحاسبة تخصص فى حسابات شركات النفط الأجنبية ، ثم تفرغ لتحقيق حلمه القديم وهو انشاء مصنع (للطوب والسيراميك) الذي كان قد دفعه اليه اكتشافه لمخزون مواده الأولية فى جبال نفوسه أثناء  زياراته الاستكشافية الدراسية لمنطقة الجبل الغربي ، ووضع له مشروعا وصمم على اقامته ليمكن ولاية طرابلس انئذاك من سد حاجتها والاستغناء عن استيراده من الخارج ، وقد كانت حركة البناء فى منطقة طرابلس تعتمد على استيراده بالكامل من تونس وايطاليا لتلبية حاجاتها منه .
الا أن تطور الأوضاع بعد انقلاب الفاتح من سبتمبر وانهيار الدولة الليبية وفوضى التغييرات التي كانت تتلاحق من طرف السلطة الجاهلة ومغامرات التدابير "الثورية" واجتياح الخبراء الجهلة والمستشارين الأجانب للبلاد ، أفقد عبد الواحد ، المكتب الفنّي للمحاسبة  ، بل وأفقده بعد ذلك  (مصنع الطوب والسيراميك) الذي جرى الزحف عليه من جموع العمال اللصوص ونهبه وتخريبه ضمن ما جرى الزحف عليه ونهبه من ممتلكات المواطنين ومصانع القطاع الخاص  تحت شعارات  (شركاء لا أجراء والبيت لساكنه) وفوضى الشر والعدوان والمظالم التى أطلقها  انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969 !
وقد تحول المصنع بعد الاستيلاء عليه الى خراب ، ونهبت الأرض التي أقيم عليها وتم التصرف باغتصابها والاستيلاء عليها ، وأضطر الرجل أمام هذه الكوارث ،  وأثر الحادث الغامض الذي أدّى الى مقتل شقيقه الضابط بالجيش ، الى انسحابه كليةّ من الحياة  العامة ولزومه لمنزله ، شأنه في ذلك شأن مئات الرجال المحترمين من ذوي الكفاءات الخاصة والمواهب الشخصية الفذة والكرامة ، الذين سدت همجية الدهماء وعناصر لجان الفوضي وسلطة الفاتح من سبتمبر ، في وجوههم كل الآفاق وحكمت عليهم بالابادة !

بعد مذابح أبريل سنة 1976وسيطرة ميلشيات اللجان الثورية وموجة الاغتيالات التى استهدفت المعارضين فى الداخل والخارج وتصاعد الفوضى وغياب الأمن وحملات القمع التي اجتاحت البلاد بدءا من خطاب زواره وانطلاقة "الثورة الثقافية" فى أول  السبعينات وبداية الثمانيات ، نجح عبد الواحد رجب رحومة وأسرته في مغادرة الوطن والانتقال للاقامة بالقاهرة ، حيث أفتتح (متجرا ) صغيرا بمصر الجديدة  ليتمكن بواسطته  من التعيش وتمكين أولاده من اتمام دراستهم ! وأمضى عبد الواحد ، بقية مشوار حياته  فى مصر مغمورا مجهولا ولكنه عاش آمنا ، وبعيدا عن متاعب مجتمع الفوضى والتخلف والرعب فى ليبيا ، وقادرا فى نفس الوقت على مواصلة هواياته فى الرسم والنحت والقراءة .

الفنان الراحل، والخبير الفني في شئون المحاسبة ، الفقيد ، عبد الواحد رجب رحومه متزوج وله ثلآثة أبناء جميعهم الآن  مؤهلون وذوو كفاءات عالية .. ولكنهم يعيشون خارج ليبيا !!

تغمد الله الفقيد الراحل بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه وألهم  السيدة الفاضلة زوجته وأنجاله الكرام  وأقاربه فى ليبيا ومصر وعارفيه جميل الصبر ، فقد كان الراحل ، رجلا فاضلا وكفاءة عالية ومواهب فذة حُرمت منها  ليبيا منذ أربعة عقود ،  ، فيما حُرمت منه  من رجال وأمجاد وفرص ثمينة للتقدم .

اصدقاء الفقيد فى اوروبا
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق