الثلاثاء، 31 مايو، 2011

عبدالله الزنتاني : مُسْتَظْرَ​فُ الأقاويل، بين ليبيٍّ أصيل، ومرتزِقٍ دخيل.. أو "المقامة الزنتانية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد

فهذه مقامة تطفلت في إنشائها على صناعة الأدباء، قصدت منها المقارنة بين أخلاق الشرفاء والمرتزقة، وأدرت الكلام فيها بين ليبي أصيل ومرتزق ظالم دخيل، وجعلت الراوي والحكم بينهما هو التاريخ المسطور، عسى أن تكون فيها عبرة لقارئ أو فائدة لمطالع/ والله الموفق

عبد الله الزنتاني

مُسْتَظْرَفُ الأقاويل، بين ليبيٍّ أصيل، ومرتزِقٍ دخيل.. أو "المقامة الزنتانية"

حدَّثَنا مَن عرف الناس وأخبارَهم، وبَلَا البشرَ وأطوارَهم، اسمه التاريخ المحفوظْ، والديوان الملفوظْ، وهو الشاهد على أفعال الأممْ، ومآثِرِ أهلِ الحياة والرِّمَمْ.

قال: كنت مجتازاً بين سهول الزنتان ووديانِها، أدوّن أخبار ساكنيها وجيرانِها، أُسطّرُ ملاحمَ الشرفْ، وأتنسّم من حَميد أفعالهم عِطْرَ السلفْ، إذْ جمع مجلسٌ حافل مشهودْ، في فضاءٍ واسعٍ ممدودْ، بين ليبيّ أصيلْ، ومرتزق دخيلْ، فتجاذبا أطراف الحديث جِهاراْ، وتناوبا الكلام أطوارا، بعد أن لم يكن حولهما مِن رقيبْ، ولا عندهما مِن حسيبْ، فصرّحَ كلٌّ منهما بالمكنون وأظهرَاهْ، وكشف كلاهما المخبوء ولم يسترَاهْ، وكان قد تجرّأ المرتزِقُ على خصمه فرماه بقبيح الكلامْ، ونسبه إلى مقارفة الآثامْ، ومواطأةِ اللِّئامْ، وادّعَى لنفسه المنزلةَ الرفيعةْ، والمناقبَ البديعةْ، والليبيُّ يَغُضُّ عنه طَرْفَه ويتناساهْ، ويذكر الله في سرِّه ويتحاشاهْ، كأنّه يقول: لا أُزْرِي بنفسي وأتحدّى هذا الشقيّْ، فالسّيفُ يَنْقُصُ قدرُه إذا قورِن بالعِصِيّْ، والبَهْرَجُ لا يُجْمعُ مع الجوهر النقِيّْ.




قال التاريخ الشاهد: فأشار عليهِما بعضُ الحضور بتَحْكيمي، وقَبولِ قَضائي وتفْهيمِي، فقلتُ: أنا بذلك زَعيمْ، وبأسباب استحقاق المكْرُماتِ عليمْ، ولكنْ أَعْطِياني عهدَ الله والمثياقْ، لَتَرْضَيَنَّ بما أحكمُ به بينكما في الآفاقْ، فبادر الليبيُّ ومدّ صَفْقَتهْ، وقال: افعل ما شئتَ فلا أخاف من التاريخ سَطْوَتَهْ، فلمْ أُدوِّنْ فيه إلا فَضلاً أُذْكَرُ بِهْ، أو فعلاً يُعتَبَرُ بهْ. وأمّا المرتزِق فَدَسَّ يده وأخفاها، وجَعلَ يقرأُ: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا)، فعرفتُ أنّه يتشاغلُ عن مُعاهدتي بنفاقِهْ، فليس له من تاريخٍ يتباهى به أمام رِفاقِهْ، فقلتُ: لِيعملْ كلٌّ منكما بمعدنِهْ، واتركا ليَ الحُكمَ فأنا صادِعُ دُجُنَّتِهْ، واختَصِرا الكلامَ غايةَ الاخْتِصارْ، فإنّي أُبغِضُ المِهذارَ الثّرثارْ.



قال التاريخ الشاهد: فعندَ ذاك وَثَبَ الليبيُّ وثبة فارسٍ يصولْ، وألقى جَرْدَهُ على عاتِقِهِ وأنشأ يقولْ: بسم الله الأحدْ، الواحد الصَّمدْ، الذي لم يلدْ ولم يولدْ، ولم يكن له كفؤاً أحدْ، أحمدُهُ على النِّعمِ السّابغاتْ، والآلاء الظاهراتْ، وأعوذ به من شرِّ النِّقَمِ الموبِقاتْ، وأَسْتَوْزِعُهُ الشكرَ على ما يُسْدِي ويَهَبْ، وأسأله أن يُجنِّبَني مواطِنَ العَطَبْ، والصّلاة والسلام على قُرَّةِ العَينْ، جَدِّ الحَسَنَيْنْ، وصِهرِ العُمَرَيْنْ، إمامِ المرسَلين طُرّاْ، وأَرْفعِ العالمين ذكرا، وسيّد الأوّلين والآخِرين مجداً وفخراً.

أمّا بعد!: فمَنْ عَرَفني يا قومِ فقد فعلْ، ومن لم يعرِفْني فليُحدِّثْ عنِ البحرِ ولا يَسَلْ!

أنا وَليدُ العُروبةِ والإسلامْ! أنا ابنُ السَّرَوَاتِ العِظامْ! وسَليلُ الأماجِدِ الكِرامْ! أنا المرْتَضِعُ ثَدْيَ الشّجاعةِ والإقْدامْ!

أنا الحرُّ الأصيلْ! أنا الكريمُ النّبيلْ! أنا الغَيورُ على الحُرُماتْ! أنا أَخُو الحرائِرِ الخَفِراتْ! والفُرْسانِ الكُماةْ!

عرفْتُ خلائِقَ الصّالحين وبَلَوْتُها، وتعلّمتُ سِيَرَ الفالِحين وتمثَّلْتُها، ورأيتُ القَبائِح فما أتيتُها

وفائِيْ للهِ والمسلمينْ، وولائِيْ للمؤمناتِ والمؤمنينْ، أَعرِف لوطني حقَّه وجَمِيلَهْ، وأُعْلِنُ حُبَّه وتبجيلَهْ، وأحمي حِماهُ بمُهجتي، وفي سبيل الحقِّ أبذُلُ نفسي ومالي وقُوّتي

نَسَبي معروفْ، وحَسَبي موصوف، وأقوالي عند كرام الناس محمودةْ، وأفعالي بين الأَنامِ مشهودةْ .

لَمّا رأيتُ المرتزِقةً وطِئُوا داريْ، واسْتهانوا بحُرمتي ومِقْداريْ، تركْتُ الدَّعَةَ وهجرْتُها، وترفَّعْتُ عن السّفاسِفِ وقاطعْتُها، وأَجبْتُ داعيَ النّفير للجهادِ مختارا، وخُضْتُ لُجَجَ المخاطِر مِراراْ، وكبّرتُ الله ربي ودعوتُهْ، واستغفرتُه من آثامي واستعَنْتُه ورجوْتُهْ، وتقحَّمتُ ميدان الوغى تقَحُّمَ الأسُودْ، فالنّفس واحدةٌ والشّهادةُ لا تعودْ.

ومَنْ مِثْليْ ؟ أدافِع عن الديارْ، وأتحامى العارْ، وأُغيثُ الملهوفَ وأحفظُ الجارْ، سِلْمٌ لمنْ سالمني، وحربٌ لمن حاربني، أَفي بالعهدْ، وأُحافظ على الوعدْ، أَسلمتُ قِيادي للمروءة فأنا أَتبعُها، واكتسيتُ بُرُودَ الشهامة فلا أخلعُها، ووَصَلْتُ حِبال العزّة فلا أقطعُها.



قال التاريخ الحَكَم: وكان كلام الليبيِّ كالصواعق المرسَلة على رأسِ المرتزِقْ، فكلَّما سمع كلمةً من كلماته غَصَّ أَو شَرِقْ، فلم يجد بُدّاً من المقاطعةْ، وجَدَّ في اللَّجاج والممانعةْ، فأشرتُ للّيبيِّ بأن يَتَحَلَّمْ، وأَذِنْتُ للمرتزِق أن يتكلَّمْ

فقام وهو يَلْوِي عُنُقَهْ، وأَبْرَزَ ساعِدَه ومِرْفَقَهْ، وضَرَبَ إلى ماءٍ بين يديه فدَحْرَجَهُ في بطنِهْ، وتَجَشَّأَ كالأبلهِ وأَدْخَلَ أُصْبُعَه في أذنِهْ، ثمّ قال بصوتٍ مرعوبْ، وحظٍّ منكوبْ:

أيُّها اللّيبيّ! أمّا أَصالتُك فلا أُنازِعُ فيها، وشهامتُك فأقرُّ بها ولا أُخفيها، ونَسَبُك ليس فيه قولانْ، وحَسَبُك لا يَنْتَطِحُ فيه عَنْزانْ، وإنما نحن المرتزِقةُ قومٌ أَخْلاطْ، مِن سُلالةِ الأَنْباطْ، لا يجمعُنا دين فنتَّحِدَ عليهْ، وما أَحرَزْنا مِن فخرٍ لنحافظَ عليهْ، ونحن ننتَسِبُ إلى المالِ أينما وجِدْ، وأبونا الظُّلْمُ وأُمُّنا الحَسَدْ، بِضاعتُنا السَّطْوُ على أمجاد الآخَرينْ، وادِّعاءُ مآثر السّابقينْ، وولاؤُنا للكفّار والمنافقينْ، لا تسألنا عنِ الأخلاقِ فإنّا بائِعوها، ولا تُحاكِمْنا إلى العهود فإنّا ناكِثوها، ولكنِ اسألْنا عنِ الخيانةِ فنحن بَنوها، نشهدُ الزّورَ طولَ الأيامِ واللياليْ، ونأكُلُ السُّحْتَ ولا نباليْ.

جُبِلَتْ نفوسُنا على طاعة الأَسياد فلا نعارِضُهمْ، وعَقَدْنا القلوبَ على عبوديّة الأنذالِ فلا نراجِعُهمْ، ونَأْنَفُ من كلّ فضيلةٍ مذْكورةْ، ونَتَنَصَّلُ مِن كلّ خصلةٍ مشهورةْ.

وقد كنّا ننتظِرُ فرصةً نَنْقَضُّ فيها عليكمْ، ونَفِدُ بجيوشِنا إليكمْ، فلمّا أُمِرْنا بذلك تَذَرَّعْنا بالكذب والبهتانْ، وقلنا: عصاباتٌ مسلّحةٌ وجُرذانْ، وقاعِدةُ الإرهابِ ضارِبةٌ بأَطنابها فيكمْ، وقد بِعتم للخَوَنةِ حَريمكمْ وذَرارِيكمْ، وغَرّتْنا أنفسُنا والشيطانُ الرجيمْ، ونسِينا سَطْوَةَ الرَّبِّ العظيمْ



قال الليبيّ الأصيل: لا أُمَّ لك أيّها الهَجِينْ، وبُعْداً لك مِنْ مَهِينْ، هذه منزلتك ومِقداركْ، وبالذّلِّ مجدُك وفَخارُكْ، تَبَّتْ يداكْ، وتَرِبَتْ يُسْراكْ ويُمْناكْ، سبحان من خلق الخِسَّةَ فكانت أنتَ وكُنتَها! ولقدْ بقِيتَ لها الوفيَّ وما خُنتَها.

اسمعْ أيُّها العبد الآبِقُ المخذولْ، والقبيحُ المرذولْ، إِن كانت فيك ذرَّةٌ مِن شرفٍ فاسْتَنْطِقْها، أو مَسْحَةُ صدقٍ وحياءٍ فأَشْهِدْها ما رأتْ ولا تُعِقْها. أرأيت في ديارنا إلا الشرف وقد ازْدانَ بأرضِنا العفراءْ ؟ وإلا المجدَ وقد تغلغلَ في رُبوعِنا الخضراءْ، وهل رأيتَ إلا المسلمين وقد تَسَالموا على الطاعاتْ، وتزاحموا على الصلواتْ، والمؤمنين وقد اجتمعوا على صيانة الحرماتْ



قال المرتزٍق: أمّا خِصالُ الشّرفِ فأسمعُ بها ولا أعرِفُها، والحياءُ والصِّدقُ فمالي إليهما من سبيلٍ فأسلُكُها، ولكني سأشهد اليومَ وأَصدُقْ، وأتشبّه بشِيَمِ الرّجال وأتخلّقْ، أما والذي تحلِفون به ما رأيتُ إلا شيخاً في صومعتِهْ، أو أستاذاً في جامعتِهْ، أو حُرّةً في خِدْرِها، أو عَقِيلةَ كِرامٍ تُحسَدُ على بِرِّها.

لقِيتُ الصِّبيةَ فمازحتُهمْ، والشبابَ فطارَحْتُهمْ، والشيوخَ فجالستهمْ، فلم أسمعْ هُجْراً، ولم أَرَ نُكْراً، قومٌ خالطتْ قلوبَهم بشاشةُ الإيمانْ، واستعانوا على الظالمِ بمعونةِ الرحمنْ



قال الليبي: فما حَملَكمْ على سفْكِ دمائِنا، والعَبَث بحياة بناتِنا وأبنائِنا ؟ ولأيّ شيءٍ ترموننا بالتّهمِ جُزافا، وتنسِبوننا إلى الباطل اعْتِسافا ؟



قال المرتزق: لا تستغرِبْ مِن اللئيم الإثمَ والباطلْ، ولا تستبعِدْ من الخسيسِ الفعلَ العاطِلْ، لاسيما ونحن قومٌ أَكَلَ الحسَدُ قلوبَنا فأَتْلَفَها، وأَسَرَ الحِقْدُ نفوسَنا فأَوْجَفَها.



قال الليبيّ: اِيهاً يا حُثالةْ، يا قِمَّة النذالةْ، فخبِّرِ الناس كيف رأيتَ الرّجال وقد اسْتَبْسَلُوا، والأبطالَ وقد استَرْسَلوا ؟ وهل رأيتَ فيمنْ حاربتَ إلا قائداً مِغْواراً، وجيشاً جرَّارا، وجُنوداً أحراراً ؟



قال المرتزق وهو يعَضُّ من الحقد شفتيهْ، ويخفي نِصف وجهه بيديهْ: أَما لأَشْهدنَّ بها ولستُ أهلَها، ولأملأنّ بقولي واديَ الزّنتانِ وسَهْلَها، لقد رأيتُ أُسوداً عادِيةْ، وليوثاً غادِيةْ، لا تَسَلْ عن الشجاعةِ فهم معدِنُها! ولا عن البَسَالةِ فهم موطِنُها! رأيتُ الْمُوفِينَ بالعهودْ، والرُّكَّعَ السجودْ، ما عَدَا عليهم باغٍ إلا وكُسِرْ، ولا رماهم طاغٍ بِشَرِّهِ إلا قُتِلَ أو أُسِرْ، ضربوا الهاماتْ، وجندلوا الطغاةْ، وأنصفوا المظلومْ، وأعانوا الْمَكْلومْ، فجزاؤهم على الحيّ القيّومْ.



قال الليبيّ: قد يَصْدُقُ الكَذوبُ في مقالِهْ، ويستغني المخادعُ عن مكرِهِ ومِحَالِهْ، فهاتِ وقل لي ما أكثرُ ما أرعبَكمْ ؟ وما أَقوى ما غالبكمْ ؟



قال المرتزق: أمّا هذه فما أكثرَها! ومواطِنُ جُبْنِنا فما أشهرَها! لكنَّ الرُّعبَ كان يُقْذَفُ في قلوبِنا إذا سمِعْنا صوتَ التكبيرْ، وتُرْهِبنا استغاثة الناس بالعزيز الكبيرْ، ولا أَشكُّ أنّ جنود السماءِ تنزّلوا لقِتالِنا مع الموحّدينْ، وأتتْ رُسُلُ الملائكةِ مُنْزَلين ومُرْدَفينْ، أما رأيتَنا نهدِم المساجد ومناراتِها ؟ ونُحرِقُ المصاحف و نُعَمّي أَمَارَاتِها! فذلك من كفرِ نفوسِنا وغلبةِ وشهواتِها!



قال الليبيّ: فما الذي عَجّلَ مَصارِعكمْ، وكشف للمجاهِدين مَقاتِلكمْ ؟ وفضح لهم مَداخِلكم ومخارِجكمْ ؟



قال المرتزق: غلبونا بطاعتِهم ومعاصينا، فأيّدهم ربُّهم وأَثْخَنوا فينا، ولو كان فينا عقلٌ لاستعملناه في الطاعةْ، ولم نفرّق كلمة الجماعةْ.

وقل لي أنت كيف غلبتمونا ونحن نفوقكم بالعتاد والعُدّة! وكيف قلبتُمْ علينا الأمرَ في أَقصرِ مُدّةْ.



قال الليبي: كلُّ سلاحٍ يَفُلُّه سِلاحْ، وما من ظالمٍ إلا ولهزيمته مفتاحْ، ولقد تسلّحْنا بالإيمان واليقينْ، واستعنّا بربّ العالمينْ، فالحمد لله حمدّ الشاكرينْ

سبحان الله والحمد للهْ، ولا إله إلا اللهْ، نحمد اللهَ على عاجِلِ نصرتِهْ، ومتواتِرِ منَّتِهْ، ونسأله أن يتمّ علينا أَمرَنا وينصُرَنا، ويُمْكِننا من عدوّنا ويُظْهِرنا، وإني ناصحٌ لك يا لُكَعَ ابْنَ لُكَعْ، وباذلٌ لك مِن المشورةِ ما نَجَعْ.

ألا أَبْلِغْ كلمتي هذه مَنْ وَرَاءَك مِن الأنذالْ، وقل لهم إِنّ التاريخ لا يَرحمُ أيّها الأَرْذالْ، وقد سَطّرْنا فيه ما نحمد مَغَبَّتَهْ، ونَأْمَنُ مَعَرَّتَهْ، وكتبتم أنتم في عارِكُمْ مجلّداتْ، وجمعتمْ على فضائحكم أُلوفاً من الشهاداتْ، وأَطعْنا ربّنا وعصيتُموهْ، ووَفَيْنا للوطن وخذلتموهْ، فبيننا وبينكم من الفَرْقِ كما بين الليبيّ الأصيلْ، والمرتزِق الدخيلْ، والحمدُ لله ذي المجدِ الأَثيلْ، والفضل الجزيلْ.



قال التاريخ الشاهد: فلمّا بلغتْ أفراسُ أقاويلهما نهاية المِضْمارْ، تَطاولتْ إليَّ الأعناق وَرَنَتِ الأنظارْ، يَستَطْلِعون منّي الشهادةَ على ما سمِعْتْ، وينتظِرون مني أن أحكمَ بما علِمْتْ، فقلت: (القولُ ما قالت حَذَامِ فصدّقوها)، والحكم للأفعال فاسْتَنْطِقُوها، وليس في قول أهل الأصالةِ ما تخالفه النفوسْ، وصَدَقَ مَن قال: (لا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسْ)، وأنت أيّها المرتزق (فأطرِقْ كَرَى)، (فكلّ الصيدِ في جَوْفِ الفَرَا).

ولقد قرأتُ آيةً في كتاب الله فكأنها نزلت فيكُما، وفيها ما يَشفيكما ويكفيكُما، فاسمعا الله يقول: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) فشطرُها الأوّل في أمثالك نزلتْ أيها المرتزق الدخيلْ، وأرجو أنّك من أهل تمامِها أيها الليبيّ الأصيلْ.



والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً كما يحبّ ويرضى

اللهم استعمل أقلامنا في طاعتك، ولا تحجب عنها نور هدايتك

وصلى الله على خير رسول ونبي، محمد بن عبد الله العربي الأمي





عبد الله الزنتاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق