الأحد، 22 مايو، 2011

مصطفى الرعيض : فوبيا سرقة الثورة


إن ممارسة سياسة الوصاية والخوف غير المبرر من قبل بعض الأطراف تحت ستار حماية الثورة، وتحقيق طموحاتها، والمحافظة على مكتسباتها وغيره من المبررات تتطلب من كل ليبي غيور وقفة جادة وموقفا حاسماً. حيث يبدو أن حكم 42 عاماً من الإستبداد وسيادة الإتجاه الواحد قد ولًد إحساساً  لدى البعض من الشخصيات والتيارات الوطنية توجسا من مخالفيهم في الفكر والتوجه، وحين زاد هذا عن حده ودخل في نطاق الإفراط أدّى ذلك الإفراط في التخوف وانطباع نظرية المؤامرة على الثورة نتج عنه ممارسات وتصريحات ومقالات هي بحكم الوصاية على الشعب وإن لم يسمها أصحابها بذلك، حيث إن احتكار الفهم دون اعتبار للواقع والظروف، وتغييب رأي الآخرين أو إلغاؤه بالكامل، فضلا عن عدم اعتماد سياسة الدراسة والاستقراء والتحليل للمعلومات وغير ذلك من وسائل البحث، كل هذا يؤكّد مبدأ الوصاية لدى البعض، وقد كان الإجدر بهؤلاء ومن على طريقتهم أن يعتمدوا مبدأ المساررة في النصح والحوار وعقد اللقاءات المباشرة وتبادل وجهات النظر قبل نقل المعارك الجانبية إلى الميدان وقبل إقحام الجماهير فيها.

مع التقدير للحريصين على الثورة وتقدير إخلاصهم للوطن وحبهم له لدرجة التوجس من بعض الممارسات والسلوكيات التي قد نراها خاطئة من بعض المتصدرين للعمل الوطني في هذه المرحلة الحرجة، إلا انها صنعت "فوبيا سرقة الثورة" وولدت سؤ فهم لدى البعض وأججت روح النقد والنقد المضاد، بل رفعت هذه الفوبيا كشعار في وجه الأراء والتيارات المخالفة بل وصلت لحد احتكار الثورة من قبل البعض! واحتكار الفكر والوعي والثقافة والحكمة والدراية ...الخ ، كل ذلك حال دون استيعاب كل الطاقات والمواهب، وجعل البعض يتخذ مسافات وحواجز بينه وبين الآخرين ومما يجري  حتى تتضح المعالم ويظهر شكل الدولة ويقول : عند ئذ لكل حادثة حديث!
لا شك أن أحد أهم الإسباب في ذلك هي  ترسبات الحقبة الماضية من حكم المستبد الطاغية، والتي حالت  دون استيعاب الكثير منا لمعنى التعايش مع المخالف والمشاركة في بناء الوطن دون أن نكون بالضرورة متوافقين في الفكر والتوجه .
إن أجواء الحرية غير أجواء القمع والتهميش ومصادرة الحقوق، وسيادة  التوجه الواحد، فعلينا تهيئة الأجواء وتنقيتها لصنع بيئة تساعد على ذلك، ولنجعل من العملية الديمقراطية فيصل بيننا وبين مخالفينا، فالإعلان عن أي فصيل أو الدعاية لأيِّ حزب لا يبعث على التخوف، أو أنه يعني سرقة الثورة، أو أنه ركوب للموجة ونجعل من صندوق الاقتراع حكماً وفيصلا لذلك، إذ لا أحد يجبر مواطن على إعطاء صوته الإنتخابي لسارق أو خائن أو مستبد، وذاكرة الشعب تعرف المحسن من اللص، والأمين ذو الكفاءة من عليم اللسان الفارغ فلا خوف على الثورة من هذا الجانب بإذن الله تعالى، وإنما يكمن الخوف في الخلط بين الخوف على ثورة الشعب ومنجازاتها التي لا تخفى على العيان، وبين الخوف على إنجازات ومكاسب شخصية أو حزبية ضيقة، وهذا فيما أعتقد هو مربط الفرس أو بيت القصيد.
لو كانت الثورة من صنع فصيل أو جبهة أو جماعة لكان لسياسة الإقصاء والتهميش أعذار وتبريرات، ولكان لاحتكار صوابها ورأيها وجهة نظر أما وقد سقت الثورة دماء الشعب وأرواحهم، ومازالت تسقي من دمها لتنال حريتها فلا يحق لاحد تقزيم أو تهميش أو انتساب الفخر لوحده وادعاء أنه من حرر وفجر.
فالذين  تصدوا لطاغية وثاروا ضده لاخوف عليهم من سرقة ثورتهم’ أو مصادرة آرائهم إذ لا مكان لحقبة الظلام من أن تعاود نشاطها واستبدادها،  فثورات التصحيح مبصرة تقوم المعوج وتسد الخلل وتختار التوقيت، إذ إن مبرر قيامها هو الاعوجاج والخطأ وبالتالي لا شك في أن أهلها والقائمين عليها سيتصفون بالحذر والانتباه من أي اعوجاج أو التفاف أو تحريف، وعلى الجميع الإنصهار في بوتقة الثورة لا الوصاية عليها بأي حجة من الحجج.
علينا في هذه المرحلة التأكيد على صنع ثقافة الحوار والتعايش مع المخالف والحوار ووتبادل الأفكار والمشروعات وتكميل بعضنا البعض، وليس ترسيخ ثقافة بالية من الإقصاء والتنابز والتهميش والقمع! كما أن الوطن اليوم بحاجة إلى الجميع ومتطلبات المرحلة هي دون شك فوق قدرة كل الاتجاهات وكوادر الأحزاب ومقدرات القبائل وإمكانيات المدن، ومشاركة الجميع هي الأساس التي ستجعل الحمل سهلا، وتصنع إحدى أهم ضمانات نجاح الثورة المباركة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق