السبت، 23 أبريل، 2011

عمر عبد العزيز : القذافي... رسول الخراب/ الجزء الأول



عمر عبد العزيز

فوجئنا ببعض الحديث يثور هنا وهناك، مفاده أسئلة تدور حول ثورة الشعب الليبي المباركة: لماذا انتفض الليبيون؟ لماذا حملوا السلاح؟ ألم يكونوا يعيشون في نعيم؟ أليست بلادهم غنية؟ لماذا انتفضوا بعد اثنتين وأربعين عاما؟ هل ثورتهم مجرد مجاراة وتقليد لثورتين قامتا شرقيهم وغربيهم؟؟؟... أسئلة تنمُ عن جهلٍ مفهوم -ربما- بالقضية الليبية، إذ أنني أعترف أننا كليبيين لم نحسن التعريف بقضيتنا على الوجه الأمثل في وسائل الإعلام المختلفة، طوال ما يزيد عن أربعة عقود عجاف، وحتى طوال هذين الشهرين من عمر الثورة المجيدة، مع أن هذه الأسئلة أو التساؤلات في مجملها، تناست ما هو أهم من
النظر إلى هذه الثورة من منطلقات مادية بحتة، تتعلق بظروف المعيشة، ومستوى دخل الفرد، وغنى البلد بثرواته الطائلة وما إلى ذلك.
ولا شك إن هذه الأسئلة في حاجة إلى كلمات كمداد البحر، للإجابة عنها، ولا أدعي أنني قادرٌ أنا أو غيري للإجابة عليها في سطور، أو حتى في صفحات، إذ أن حبر الأقلام سيجف، ويد الكتاب ستكل، ودموع المآقي ستنضب، وشفاه المتكلمين ستيبس، وألسنة البلغاء ستخرس، عن وصف مدى ما حل بهذا الشعب الصابر الأبي طوال هذه الفترة، التي بُنيَت فيها
دول، ونهضت فيها أمم، وتطورَت خلالها مجتمعات. وباختصار أقول: لقد انتفض الليبيون كي يؤسسوا لأنفسهم دولة أسوة بغيرهم، بعد أن هُدِمَت دولتهم سنة 1969، وكي يقيموا لدولتهم نظاما، بعد أن قُوِضَ نظامهم في ذاك الانقلاب المشؤوم، وليحققوا لليبيا الاستقلال الثاني، بعد أن سُلِبوا الاستقلال الأول، لذا لم يسمع العالم -كثيرا- الشعب الليبي وهو يردد كلمة السر (الشعب يريد إسقاط النظام)، إذ كيف يُعقَل أن يُسقِط نظاما غير موجود أصلا... وكما قال أحد إخواننا المصريين لضابطٍ ليبي أهانه عند الحدود بين ليبيا ومصر: أنتم عصابة ترفع علما... وبكل تأكيد لا يقصد أخونا المصري هنا الشعب الليبي، بل يقصد تلك العصابة التي تحكمه... وسأحاول في هاتين الحلقتين الإجابة على هذه الأسئلة بشكل غير مباشر، ليتضح الكثير مما يخفى على كثير من المتسائلين، لعلهم يشاركوننا في الشعور ببعض مآسينا، التي ربما تدفع الحجر لا البشر للانتفاض والثورة.
                                                - - - -
ترددتُ على أوروبا كثيرا في صغري، لذا لم يبقَ شيء في مخيلتي أذكره من تلك الرحلات، إلا أنني عدتُ إلى تلك البقاع وقضيتُ فيها فتراتٍ طوال، منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، ومن أكثر ما كان يشدني هناك وجود المواصلات من قطارات وحافلات وغير ذلك مما يعرف في عصرنا الحاضر! وكان من أكثر ما استهواني هناك كون هذه المواصلات تسير في خطوط منتظمة، وفق جداول زمنية ثابتة، تتغير حسب المواسم، وتسير في نظامٍ دقيق، كأنه حبات عقد قد انتظم في سلكٍ حريري رفيع! اعذروني... لتغزلي فيما هو معلومٌ من العصر بالضرورة، فالمواصلات في عصرنا مرفقٌ لا غنى عنه، وهي موجودة في كل الدول تقريبا بدرجاتٍ متفاوتة، لكن ربما لا يصدقني غير ابن بلدي، إذا علم أن ليبيا ليس فيها أي نوع من المواصلات داخل المدن، وهنا أقصد المواصلات التي تنظمها الدولة وتشرف عليها، إذ ما هو موجود فقط ما نظمه الناس وقاموا عليه. كانت دهشتي عظيمة واستغرابي مريب عندما نقلتُ مشاعري الفياضة هذه نحو المواصلات ووسائل النقل، إلى بعض أصدقائي الليبيين الذين يكبرونني سنا، عندما قالوا: هذا كان موجودٌ في بلادنا حتى بداية ثمانينيات القرن المنصرم، بل في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت الحافلات تسير وفق جداول منتظمة، تستطيع من خلالها برمجة وقتك للوصول لعملك أو مدرستك!!! فقلت في نفسي: لربما كان يعيش هؤلاء في بلدٍ غير الذي أقصد (ليبيا)، حتى استدعيت من أعماق ذاكرتي مشهدا يتيما لحافلة كنتُ أستقلها أحيانا مع والدتي لنتنقل بين (البركة وسيدي حسين، وهما منطقتان في مدينة بنغازي) في تلك الحقبة الغابرة.
هذا السجال بيني وبين أصدقائي تكرر كثيرا، فكلما تغنيتُ معجبا بشيء من مظاهر الحضارة الحديثة الذي يوجد في بلاد الغرب والشرق، ولا يوجد في ليبيا، قيل لي: كان موجود في بلادنا. فبدأتُ أتساءل في حوارٍ مع نفسي أخشى أن يطلع عليه غيري من الليبيين، كيف لا أذكر هذه الأشياء في بلدي وقد ولدتُ بعد انقلاب سبتمبر 1969 بستة أعوام!!! وهل صحيح أن هواتف الشوارع كانت موجودة في بلدي!!! وهل يُعقل أن يرسل لي شخص ما رسالة من خارج ليبيا وتصلني إلى بيتي في بنغازي مثلا!!! هذا لا يصدق... فليبيا ليس فيها هواتف في الشوارع يأوي إليها المضطر إذا استجار... ولا يوجد بها نظام بريد بالمعنى المعروف عالميا، لأنها لا توجد بها عناوين أصلا... ولا يكاد المرء يعرف لبيته رقما أو اسم شارع!!! هذا إن وُجِد طبعا... فمشروع تسمية الشوارع في بلادنا وترقيم البيوت بدأ بداية خجولة مريبة، وغنوا لها في إعلام النظام وطبلوا، فقط ربما العام الماضي 2010 إن لم تخني الذاكرة، وكأنهم يعدون لمشروع إطلاق أول مركبة فضائية ستستكشف الكوكب الأحمر أو الأسود!!! ...
إن منطق التاريخ يقضي بأن المجتمعات والأمم تتقدم بمر السنين، فما كان اليوم مستحيلا سيكون غدا واقعا، وما كان بالأمس خيالا صار اليوم حقيقة. فما بال بلادي تراجعت ولم تراوح حتى مكانها؟ في حين تقدم الآخرون. أتُراها المؤامرة؟ أم الفوضى؟ أم أن غراب الشؤم حلق فوق ديارنا؟؟؟
ولا زلتُ أذكر تلك الرحلة التاريخية سنة 1987 وكنت في الثانية عشر من العمر، عندما ذهبتُ إلى الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ضمن وفد طلابي للمشاركة في مخيمٍ عربيٍ خاصٍ بذوي الإعاقة البصرية، وطرنا من مطار طرابلس مرورا بالكويت وصولا إلى الشارقة. ولقد عدنا من هناك مبهورين بكل شيء، بالطائرة ومطار الكويت وبالفندق في الشارقة، وبالشوارع ونظافتها، وبالأسواق وبضائعها، وظللنا نتغنى بتلك الرحلة سنواتٍ طويلة، وكأننا وطئنا القمر بأقدامنا. لقد كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة -رحمه الله- يتمنى أن يرى بلاده مثل طرابلس في السبعينيات، فيا للحسرة، أين هي دولة الأمارات اليوم وأين هي ليبيا في عام 2011؟؟؟ فبعد أن استطاع حكام الإمارات وقطر وغيرهما تحويل بلدانهم إلى دولٍ صارت قبلة للمستثمرين والسائحين والعقول المهاجرة في أقل من أربعين عاما، وصل بنا (رسول الخراب)  إلى دولة تعيش 70 في المائة من عاصمتها بلا بنية تحتية!!! رغم الغنى والمساحة والموارد وطول الساحل... فما الذي جرى أتراها أصابتنا لعنة (إبليس ولا إدريس)؟؟؟
                                                - - - -
لقد استطاع الملك (إدريس السنوسي) رحمه الله، ومؤسسات الدولة المختلفة في ذلك الحين، تأسيس دولة متينة متماسكة ثابتة الخطى على طريق النهوض، رغم فقرها المدقع، ولم يأتي عام 1969 وبعد اكتشاف النفط بثلاثة عشر عاما، إلا وكان الطريق السريع الرابط بين شرق البلاد وغربها (بطول 1900 كم تقريب) قد شُيِد، وبنيت العديد من المدارس والجامعات والمرافق الرياضية، ووضعت المخططات لبناء المناطق السكنية، وفوق هذا وذاك كانت ليبيا تفخر بقوانينها التي يعيش الجميع تحتها بما فيهم أقارب الملك، وبمؤسساتها التشريعية، وصحافتها وحياتها الثقافية، وحتى مواصلاتها وخطوط طيرانها، فإذا بالنكبة تحل، والبلاء ينزل، والنقمة تعم، بعد أن حطَ (رسول الخراب) رحاله في أرضنا، فضاعت المكاسب، وهدمت المؤسسات، واستوطنت الفوضى في كل ركن من البلاد، فحل الخراب في كل شيء، واقتيد المثقفون إلى السجون بلا ذنب، وعُلِقَ الشباب على المشانق في الجامعات والملاعب في شهر رمضان بلا جُرم، وحُقِنَ الأطفال بالأدواء بلا سبب، وصارت دور بناءً لا أساس له، فغدت حياة الليبي بلا معنى، ومسيره بلا هدف، وطريقه بلا نهاية.
                                                - - - -
إن العام والعامين، والعقد والعقدين من السنين، تعني في عُمر الشعوب والأمم الكثير، فما بالك بأربعين عاما، هي النضج واكتمال الرجولة عند بني البشر، أما الأربعين عند الشعب الليبي، فتعني التخلف والمعاناة، والمرارة بكل مذاقاتها، ومقارنة الشيء بنده من أهم مكونات الحكم على ذاك المُقارَن، ولن أقارن ليبيا بألمانيا أو اليابان، اللتان دُمِرتا في الحرب العالمية الثانية، لكنهما بعد أربعين عاما، كانتا مثالا يحتذى، إذ صارت الأولى هي الأولى اقتصاديا في أوروبا، وغدت الثانية هي الثانية في العالم اقتصاديا أيضا، ولن أقارنها طبعا باليمن والسودان، مع الجزم بأن كلا الدولتين تفوقان ليبيا في بعض الجوانب، ولكن سأقارنها بنظيراتها في الموارد، وإن كنا نظن أن ليبيا أغنى من تلك الدول، ومع ذلك فإن نظرة سطحية على التاريخ ستوضح الصورة بجلاء، ليجد أولئك المتسائلون إجابة لأسئلتهم. فقد اكتشف النفط في أبو ظبي سنة 1958، في حين اكتشف في ليبيا سنة 1956، فأين هي أبو ظبي وأين هي طرابلس بل ليبيا اليوم؟ وإذا أراد الظامئ للحقيقة الارتواء من الأسى، فليعلم أن النفط اكتشف في إمارة دبي سنة 1966، فأين هي دبي من بنغازي مثلا؟ أما إذا أراد الباحث عن الحق -للوقوف عنده بلا مواربة ولا مجاملة أو استكبار- استجلاء الحقائق، فليعلم أن النفط اكتشف في إمارة الشارقة سنة 1973، فأين هي المدينة الليبية التي تجاري إمارة الشارقة في خدماتها وبنيانها وبنيتها التحتية؟ أما مقارنة ليبيا القذافي بدولة قطر حمد، فستصيب القارئ والسامع والرائي بداء عُضال لا يملك الاستشفاء منه، فقد بدأ الإنتاج الفعلي للغاز في قطر بداية التسعينيات، ولم تبدأ النهضة الفعلية لتلك الدولة الخليجية الصغيرة إلا في منتصف التسعينيات، وبعد اعتلاء الأمير حمد عرش الإمارة، بل أن النشيد الوطني القطري عُزِفَ للمرة الأولى عام 1996. فأين هي ليبيا من هذين المثالين، من حيث مستوى دخل الفرد، ونصيبه من الناتج المحلي، وحظه من الصحة والتعليم، ومستوى الإعلام والحياة الثقافية، ومظاهر المدنية عموما.
- - - -
إن ما فعله القذافي في ليبيا من دمار وخراب، وإهدار لثروات الشعب، والعبث بمقدراته، والنهب لأمواله، والسلب لكرامته، والتقييد لحريته، لكفيلٌ بأن يدفع كل كبير وصغير، رجل وامرأة، لمقاومته أملا في التحرر، بشتى أشكال المقاومة والنضال، حتى ولو كان حمل السلاح، للخلاص من زيفه وطيشه وعبثه وامتهانه لشعبه، بعد أن أغلق عليه كل دروب التعبير، من قول وكتابة وتظاهر سلمي. لقد استقر في خلد الشعب الليبي، وهو ينتفض على هذا المستبد، أنه لا يختلف عن الاستعمار بحالٍ من الأحوال، بل هو أنكى وأمر، إذ أن الاستعمار واضحٌ جلي، أما القذافي وزبانيته فعدوٌ مستترٌ مراوغ، قد يوهم بعض الغافلين بصلاحه ووطنيته، أما من عرفه وخبره فيوقن أنه لم يأتي إلى ليبيا إلا لرسالة واحدة، وهي (الخراب).......
------------------------
سنتحدث في الجزء الثاني عن بعض مظاهر الخراب التي أرساها القذافي في ليبيا.
------------------------------------
كاتب ليبي
omaraa8@gmail.com

هناك تعليقان (2):

  1. الله يعطيك الصحة و العافية
    لقد شاهدت لقائك فى قناة الجزيرة وسمعت صوتك الجميل
    الله يحفظك ويرعاك , واثمنى أن ثبعث لى بصوتك نشيد ( هذه الارض هي العرض لنا.... ) , وكذلك اي اناشيد اخرى .
    f9101965@yahoo.com أحمد

    ردحذف
  2. كنا لاهيين نعددوا ونتزوجوا بالزوز

    ردحذف