الجمعة، 22 أبريل، 2011

إبراهيم محمد طاهر:تأملات على هامش ثورة 17 فبراير 2



مقاومة

    أغلق الجريدة بعد أن طالع عناوينها، ثم التفت إلى جليسه وقال:  غريبةٌ قصة الشعب الليبي، اثنان وأربعون عاماً من الاضطهاد، ولم ينتفضوا إلا الآن!
    سأله جليسه:  هل قرأت يوماً عن المقاومة السرية في الحرب العالمية الثانية؟
    أجابه الأول بثقة:  نعم، قرأتُ عنها، في فرنسا وفي غيرها من البلدان...
    فسأله جليسه:  فهل تعلم كيف كانت تحركاتهم؟
    أجابه الأول:  نعم، كانوا يختبئون تحت الأرض، ويتنقلون عبر الأنفاق... ولكن، ألام ترمي؟
    أومأ جليسه رأسه وقال:  هذا كان حال الشعب الليبي في الأربعة عقودٍ الماضية، يختبئون تحت أرض الصمت، ويتنقلون عبر أنفاق الهمس، وها قد برزوا أخيراً لساحات القتال، يحملون راية الحرية والاستقلال؛ فمنذ اثنين وأربعين عاماً والشعب الليبي كله مقاومةٌ سرية.

*  *  *

شباب

    وُلدوا في عصر الظلام. أرضعتهم أمهاتهم الصمت، وعلمهم أباءهم القراءة سراً في الصلاة. علموهم في المدارس أن 1+1= القذافي، وأن الحديد يتمدد بالقذافي وينكمش بالقذافي، لقنوهم في الجغرافيا اتجهات الشرق والغرب والجنوب، حفظوا روايةًً خياليةً كتبها الطاغية وسماها (التاريخ). وفُرض عليهم في الجامعات الانضمام إلى رابطة قبليةٍ انفصاليةٍ هنا، ومثابةٍ ثوريةٍ إجراميةٍ هناك. وأرغموا، طوال حياتهم، على الركض في المسيرات، وعلى حضور فوضى تُسمى المؤتمرات.

    حياتهم الفتية كانت كلها (غسل دماغ) بمنظفٍ أخضر اللون.

    وجاءت ثورة 17 فبراير... ثورة الشباب.

    فأين ضاعت مجهودات الطاغية في وأد أجيال الشعب؟! وأين ذهبت محاولاتهم في إخماد شعلة الشباب؟! فهل كان الخضوع خدعة؟ وهل كان صمت الشباب خطة؟

   فصدق من قال:

فإنْ رأيتَ لـهيبَ الـنار قد خَمدَ     فلا تنسى أنَّ تحت رمادها الجمرَ

*  *  *

ابن

    دخل الأب والأم إلى حيث يُحفظ الشهداء في المستشفى، مشيا في أحضان بعضهما البعض، وسط ارتعاش الحزن وانتفاض الأسى... أرشدهما الممرض إلى الجثمان الذي يحمل اسم ابنهما... أزاح الغطاء، وتفجرت دموع الأم، أمسكها الأب بقوة وهو يُردد الأدعية...
    استجمع الممرض قواه، وفرض على نفسه سؤالهم؛ لتأكيد تعرفهم على الشهيد...
    سألهما الممرض باستحياء:  هو ابنكم؟
    هز الأب رأسه وقال بهدوءٍ وثقة:  كلا، إنه ليس ابننا...
    أحس الممرض بالألم، وقال بحزن:  هل ترغبون في البحث عن ابنكم بأنفسكم، أم نبحثُ عنه نحن ونُعلمكم؟
    فقالت الأم وهي تشرق بدموعها:  أنا التي انجبته، ونحن ربيناه، ولكنه ليس ابننا...
    تعجب الممرض، وهربت منه الكلمات...
    وأكمل الأب كلام الأم:  ... إنه ابن ليبيا... انجبناه من أجلها، وربيناه من أجلها، وها قد انتفض من أجلها، واستشهد في سبيلها... وغداً سيستلقي في أحضانها... إنه ابن ليبيا.

*  *  *

زغردة

    تراقب الأم ابنها، وتفيض أعينها حباً. تتطلع إلى وجه ابنها المُشرق، تمسح على وجهه بلطف، وتمسد شعره بحنان.

    تتذكر كل الأوقات الماضية المليئة بالفرح والزغاريد... ولادته وزغردة النساء اغتباطاً بمجيئه، نجاحه في المدرسة وزغردتها فخراً بشهادته الإعدادية، فالثانوية... تتذكر أحلامها بأن تزغرد في مستقبله... تتذكر آمالها بأن تُزغرد فخراً يوم يتخرج من الجامعة، أحلامها بأن تملأ الدنيا بزغردتها يوم زفافه، ودعواتها بأن تعيش لتزغرد يوم مجيء أول أولاده...

    تتذكر كل ذلك؛ فاليوم أيضاً يومٌ للزغردة... تُقبل جبهة ابنها الشهيد، وتُزغرد فداءً للوطن.

    وإن كانت لن تزغرد لابنها بعد اليوم، فهي تعلم أنه بذل روحه لكي تزغرد غداً... لكي تزغرد للنصر، لكي تزغرد لفجر الحرية، لكي تزغرد لليبيا الحرة...

*  *  *

شرف

    تجلس في غرفتها، تحلم بالفجر والشروق، تحلم بالحرية والانعتاق. وحول منزلهم ليلٌ عنيفٌ يخنق المدينة.

   ويُخلع الباب، وتُضرب كرامة الأب المُسن بأعقاب البنادق، ويُجر مع الأم العجوز إلى غرفةٍ صغيرة، فيُقيدان بالذل ويُسجنان فيها.. وتجد المسكينة نفسها، في غرفتها، رهينةً لوحوش ظلامٍ بثيابٍ عسكرية، أسلحتهم حيوانيتهم اللاضميرية، ومعها الرصاص... يكسِرون إرادتها، يمزقون براءتها، ويسلبون أحلامها الوردية... ويتركونها جثةً هامدة تتردد فيها الأنفاس.. تزحف إلى أحضان زاويةٍ مظلمة في غرفتها، وتُسري إليها بدموعها الجريحة.

   ويتقهقر العدوان عن المدينة...

   وتعود المسكينة كما كانت: لا مسكينة... لم تفقد أي شيء، بل استشهد جزءٌ منها باسم الثورة والحرية، لم يسرقوا شرفها، بل منحوها مرتبةً عُليا من التضحية والفداء، لم يورثوها جُرحاً غائراً أبدياً، بل قلدوها وسام كفاحٍ وإباء.
   لم تعد تحلم بالفجر والشروق، فهي الآن تقف في ضياء صباح النصر والكفاح، تقف فيه طاهرةً، نقيةً، بريئةً، نبيلةً، لم يُسلب شرفها بل ازداد فهي عذراءُ بحق الثورة والحرية.

*  *  *

ضحايا

    وسط المقبرة، قالا معاً بعد الفاتحة: آمين.
    أطلق أحدهما نظره عبر أفق شواهد القبور، شواهد المجد والفخر، التضحية والفداء...
    ثم سأل رفيقه بألمٍ مختلطٍ بالفخر:  أتعلم كم عدد الضحايا؟
    أجابه رفيقه:  ستُ ملايين ضحية...
    سأله الأول مستنكراً: ستة ملايين شهيد؟ أهذا وقت مبالغة؟
    أجابه رفيقه:  سألتني عن الضحايا فأجبتك، وإن كنت قلت الشهداء لأجبتك أن قوافلهم ارتحلت بالآلاف نحو نعيم المجد وجنات الحرية.
    سأله الأول مستوضحاً:  فما قصدت بالضحايا؟
    فقال له رفيقه:  الشهداء الأبرار يا أخي ليسوا وحدهم ضحايا حرب الحرية؛ فحين تُهاجَم ليبيا فكل الليبيين ضحايا... حين تغرق أعين الناس في مشاهد الدماء، وحين تختنق قلوبهم بأدخنة الدمار، حين يصبح الوطن مقبرةً من رماد... كل ذلك موتٌ يا أخي... ولأجل ذلك، ولأجل الشهداء، يُناضل الشعب؛ ليستعيدوا حريتهم ومعها الحياة... فسيل الدماء يقتل قهراً كما أن الرصاص يقتل قطعاً... وإن كان الشهداء قتلى جسد فبقية الشعب قتلى فؤاد...

    نظر الاثنان حولهما... وعبر المقبرة الشاسعة تناثر القتلى الأحياء: هنا وهناك عائلةٌ تذرف الدمع، هنا وهناك شبابٌ يحترقون غضباً وحزناً، هنا وهناك أناسٌ يقطعون عهداً بمتابعة الكفاح، ويختمونه بالدموع...

    هزَّ الأول رأسه، وقال لرفيقه:  صدقت... وصدق المتنبي حين قال:

إنَّ القتيلَ مُضرَّجاَ بدمائهِ    مثل القتيلِ مُضرجاً بدموعِهِ

*  *  *

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق