الخميس، 3 مارس، 2011

محمد الاصفر : عاد أخي الوحيد ومعه ثورة



محمد الأصفر مع زوجته الفنانة التشكيلية  آمال العيادي مع شباب الثورة



ليس هناك في هذه الحياة أي مستحيل. كل شيء يمكننا مناقشته بهدوء والوصول معا إلى نتائج مقنعة للأغلبية .. فقط لابد من توفر النيّة الطيبة. والابتعاد عن العصبية والانفعال .. والتحلي بالمنطق والرصانة والعمق في معالجة المشكلة. أما حكاية أنت معي أو ضدي في معالجة المشاكل لن تجدي نفعا .. أنا لست معك ولست ضدك ولست حتى في المنتصف .. إن وجدت مكان وقوفي فلن أكون كاتبا .. أنا قريب منك لكنك لن تراني .. أنا أيضا لا أراك رغم نزفك في قلبي  .. لست مشغولا برؤية الناس وأماكن وقوفها تجاه القضايا .. مشغول فقط بتأمل الطفلة العميقة التي فقدت عمها الوحيد في مذبحة بوسليم ..
-أين عمي يا بابا ؟ ..
- مسافر
- وهل سيعود قريبا ؟
- سيعود قريبا يا حبيبتي  ومعه ثورة حلوة لك ..
- ولماذا لا يتصل بنا بالهاتف ؟
 - ليس لديه رصيد الآن ، لكن سيملأ رصيدا و سيتصل قريبا يا حبيبتي ..
- أعطني رقمه كي اتصل به أنا فلدي كرت ليبيانا
- أطلبي أي رقم محصور بين ( 1 ) و ( 1200 وقليل )  وسيرد عليك .

تقول لي الطفلة العميقة لقد طلبته وأجابني الهاتف أنه يصلي صلاة الجمعة ، فنمت و حلمت  به سريعا يا أبي ، إنه رجل طويل يلبس رداءا أبيض ويطوف بضريح عمر المختار ببنغازي ، ثم يركب حصانه الأبيض ويطير إلى السماء ، لقد لوّح لي يا أبي وهو يبتسم بيده ، ورمى لي وردة فوّاحة ، عندما استيقظت من نومي لم أجدها في أصيص قلبي ، لكن رائحة بنغازي بل ليبيا المالحة قليلا مازالت تفوح ، خذ يدي يا بابا وشم حتى تتأكد ، لن أغسل يدي اليوم ولا غدا ولا أي يوم ، أحب أن تظل هذه الرائحة عالقة بي كل عمري .

قلت لها :
اغسلي يدك ولن تغادر الرائحة ، فالماء يطرد  الأوساخ فقط   وقد طردهم  .

الثورة في بلادي  اندلعت وحققت شوطا مهما من النجاح على المستوى الداخلي والخارجي ، ومع كل مدينة تسقط وتتحرر من النظام السياسي السابق وتشكل مؤسساتها المؤقتة لتسيير الحياة والدفاع عن حرية المدينة تنظم إلى ثورتها العديد من قيادات النظام السابق سواء كانت في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي ، حتى أنك ترى الآن أن الذي تغير هو العلم فقط من أخضر إلى أحمر أسود أخضر مع بزوغ الهلال والنجمة من اللون الأوسط الأسود المعبر عن الظلم وحقب الاستعمار التي عاشتها ليبيا منذ القدم .
وانضمام الجميع للثورة واختفاء الخلافات تم نتيجة الفرحة العارمة التي تعيشها المدن التي تحررت وتذوقها لطعم الحرية الحقيقي حيث لا خوف ولا رعب والأجواء آمنة جدا ، والعصبية والنرفزة التي كانت تميز الإنسان الليبي اختفت في لحظة، البلاد تسير بصورة آلية، لا سرقات ، لا جرائم ، لا مشاجرات ، الكل يرغب في تقديم خدماته للمجتمع ، لا يوقفه عن ذلك مطر ولا جوع ، لقد غيرت هذه الثورة الوليدة الإنسان الليبي وأشعرته بأن هناك شيء اسمه حرية يجب أن يناله ولا يجب أن يتركه ليتمتع به الغير على حساب سعادته وعرقه وحياته .
مثلما ذاق الطغاة والفاشيين والنازيين طعم السلطة فالشعب تذوق طعم الحرية ويا له من طعم نزيك رائع غير قابل للتخلي عنه أبدا  ، مذاق مس الضمير مباشرة ، وأنعشه وبث فيه سعادة لا توصف ، لم يكن لدي وقتا للكتابة ، كل الوقت أقضيه بين الناس ، أفضل أن أعيش الثورة الآن ولا أكتبها  ، ثورة طازجة جدا ، بدائية ، لا رتوش عليها ، ولا تقليد أعمى ، ثورة بنكهة ليبية خالصة ، خليط من الفلفل والملح والنور المصحوب برائحة البركة كالذي نشمه من قناديل الأولياء .
منذ سنوات كنت التقي بصديق قديم صدفة بين الحين والآخر في سوق الجمعة أو في مأتم أو عرس أو مباراة رياضية ، الآن ألتقي بكثير من أصدقاء الطفولة في شوارع الثورة وأزقتها ، جدران شوارع تحولت إلى جداريات ، كلها مزدانة بمقولات جديدة تتغنى بالثورة وتمجد الشهداء وتتشفى في الطغاة المتغطرسين والمتجبرين وزمرهم الإرهابية ، مقولات ذات أخطاء إملائية ونحوية فادحة لكن ذات صدق كبير وفن كبير فلحظة ولادتها كانت لحظة حرية وحياة ، أقترح أن لا تطلى هذه الخربشات  وتظل هكذا إلى أن تزيلها حرارة الشمس وأشك أن تزيل الشمس نقوشا أبدية كهذه  ، لا نريد أن نتحدث عن المذابح التي ارتكبت فالعالم تابعها بالصوت والصورة ، جرائم وحشية يندي لها الجبين ، لكن الشعب انتصر ، اقتحم الموت ، لقد رأى بصيص الحرية وتتبعه حتى النهاية ، لم يكن الشهداء كلهم شباب أو صبية ، بل من كل الأعمار ومن كل المستويات الدراسية والاجتماعية  ، لقد انتفضت ليبيا كلها على بكرة أبيها  ، نحن لا نقلد أحدا لكن لا ننكر أننا استفدنا من ثورتي تونس ومصر ، لن نشعر بالسعادة في العالم وعلى رأسنا طاغية ، كيف سيكون شكلنا عندما نزور تونس أو مصر ، لابد أن نكون شامخين مثلهما ومثل كل الشعوب الحرة ، لقد صبر الشعب الليبي كثيرا ، وصبره ليس جبنا ، لكن انتظارا لوصول لحظة الإلهام الحقيقي وعندما حانت هذه اللحظة  ، ووجد أن الفرصة مواتية جدا ولن تتكرر من جديد ، سجل الهدف بفن وشجاعة وأدهش العالم .
لم تكن هناك أي أقراص مخدرة ولا خمور محلية سيئة لكن كانت هناك الحرية التي أطلت وكان لزاما علينا أن نكرمها ونعانقها بحب ونذهب معها حتى إلى آخر الدنيا .
لم يكن الحسن الصباح لدينا والجبل الأخضر والغربي ومصراتة والبطنان وبنغازي واجدابيا وواحاتنا وصحرائنا لم يكن بها قلعة ( آلموت ) التي استخدم تقنياتها عتاة المتطرفين والإيدولوجيين .
لقد كانت ثورتنا ثورة شعب ، ثورة بسيطة ، أناس وصل الظلم والروائح النتنة إلى أنفها ، أناس كبدها دره ، ما عادت تحتمل أكثر ، ما عادت تنفعها إصلاحات أو أدوية ، الدودة وصلت العظم ، والسوسة دخلت النخاع و الاحتقان وصل مداه ، فخرجت الجماهير وتظاهرت وأعلنت رغبتها بالتي أحسن بتغيير النظام فتم مواجهتها مباشرة نظرة لعنجهية الطغاة بالرصاص الحي وبالدبابات وبذخيرة الطائرات والمدفعية ، لا عصي ، لا مياه ساخنة ، لا غاز مسيل للدموع ، أحفاد عمر المختار هؤلاء الذي قال للمستعمر الإيطالي الغاشم نحن شعب لا نستسلم ننتصر أو نموت  ، تعاملوا معهم بالرصاص الحي الحارق الخارق على طول ، وعلى الرغم من كل هذه القوة الضاربة القذرة فقد كان الله معنا ، وصبرنا ، ونصرنا ، وأيدنا كل العالم ، وقبل أن يؤيدنا هذا العالم احترمنا لشجاعتنا وبطولتنا ونظافة ثورتنا التي لم تتخللها أي أعمال نهب أو تخريب ، فالهدف واضح هو إسقاط النظام الفاشي الرجعي الذي حولنا إلى كومة من البشر غير المرحب بهم عالميا على الرغم من أننا أنقياء وطيبين وأبناء عائلات ومجاهدين وليس مرتزقة أو أوباش أو أبناء عاهرات ، المهم الآن السعادة تنشر بظلالها ، وطعم الحرية تم تذوقه ، والعالم كله معنا ، وسنتعاون معه بتقدير ووضوح وشفافية ، وسنجعله يثق بنا ويعول علينا وستتحول ليبيا إلى بلد حضاري ومنارة علمية وثقافية ، وسيكون الرجل المناسب في المكان المناسب لا اعتبار لقبيلة أو إيدولوجية فالكل مقتنع بأن الحرية تحققت والآن فليعمل الجميع من أجل أمنا ليبيا والثورة الآن تحتاج إلى موهوبين وليس مخلصين على رأي الأمبراطور الروماني آدريانو عندما تسابق أتباعه في الوفاء له بقطع أيديهم عندما أمرهم بقتله أو تجريعه السم نظرا للآلام التي يعاني منها في لحظات احتضاره .

طيلة الزمن الذي سبق الثورة لم نكن سعداء ، دائما نعيش في رعب ، العسس يحيطنا ، المخابرات تحيطنا ، القوادون لا يفارقون ظلنا ، في أي لحظة يمكن أن تعتقل أو تقتل أو تغيب ، لا أحد يمكنه أن يتدخل ، لا قضاء لا محاماة لا حقوق إنسان لا أي شيء ، في لحظة واحدة ارتكب الطاغية وزمرته ومرتزقته جريمة بشعة ، قتل في سجن بوسليم عام الف وتسعمائة وستة وتسعون أكثر من ألف ومائتين سجين وتم قبرهم في مكان مجهول ، سجناء من كل مدن ليبيا ومن كل الأعمار، ومن دون محاكمة حتى وإن كانت صورية ، الطريف أنه في مدينة بنغازي تم افتتاح مستشفى جديد يسع ل 1200 سرير وقد قمت بتوظيف هذا الأمر في روايتي ملح الصادرة عام 2010 عن دار الحوار والتي تناولت فيها روائيا مذبحة سجن بوسليم الرهيبة الذي كان أخي الوحيد أحد هؤلاء الضحايا الشهداء ومن بعدها أصدرت روايتي فرحة في نفس العام عن دار الحوار بسوريا تتقاطع مع ملح في عدة أمكنة حول موضوع المذبحة لأتبعها بعد ذلك بروايتي الجديدة التي صدرت في نهاية عام 2010 عن دار ميريت وتناولت أيضا هذه المذبحة التي كانت شرارتها من أسباب هذه الثورة المجيدة حيث بدأ أسر الضحايا المظاهرة ليلتحق بها شباب الثورة الذين لم يستطيعوا الصبر حتى يوم 17 فبراير اليوم المتفق عليه من الجميع .

كل شيء قبل الثورة معد لمصلحة الطاغية وأسرته ، كل شيء موظف من أجل ذلك ، العلم الجيش الشرطة الماء الثقافة التعليم الفنادق المطاعم الصحة كل شيء لا بد أن يكون في خدمة السلطة حتى النيك قد لا تتزوج حتى يقيم لك النظام عرس جماعي أو يجعلك تسهر الليالي في الطوابير من أجل الحصول على قطعة ذهب أو غرفة نوم لعرسك .

الآن البلاد صارت جميلة والنساء والفتيات الليبيات صارت أجمل من ذي قلب ، الابتسامات أظهرت عذوبتها والقلوب غنت مواويلها والمرضى الآن لم يعد يحتاجون إلى دواء ، لقد كانت هناك غمة تسبب كل الأمراض ، غمة أسمها الدكتاتورية الحمقاء وقد زالت عن أرض ليبيا إلى الأبد .
الناس الآن أخوة ، من كنا نحبهم ونشتاق إلى رؤيتهم واللقاء بهم والاتصال بهم من ليبيين أحرار أو عرب الآن سنلتقيهم ونعانقهم دون خوف من أي بصاص بشري أو الكتروني حقير ، ما هذه الحياة أينما نذهب نجد هناك مشاكل ، هؤلاء يريدون منا إمام صدر، أولئك لوكربي ، هنا دعم جيش ارلندي ، هنا طيارة فجرناها ، هنا مشكلة سببنا فيها ، هنا فضيحة ارتكبها مجموعة مقربة من النظام ، في كل بلد من بلاد العالم هناك إصبع يشير لنا ، أي بلاد نسافر إليها يقول لك موظف الجوازات انتظر ، وحتى عندما نخرج أو ندخل إلى بلادنا ليبيا لا نعامل باحترام وتقدير .
ياعالم نريد أن نعيشوا مثلكم ، أناس راقيين أنيقيين  فنانيين عشاق حب وسلام وحرية ومشاركين في تنمية العالم وتقدمه ورقيه .
الدول التي كانت متحفظة على الليبيين كلبنان ودول الغرب والشرق بسبب مشاكل لا دخل للإنسان الليبي فيها سترحب بنا ، لقد اقنعنا العالم أن الخلل ليس في الشعب الليبي الثائر الطيب الشريف إنما في النظام السياسي الديكتاتوري البشع والمحظوظ أيضا لأن الله جعله يضع يده على ثروة كبيرة من النفط والغاز يساوم بها العالم ويتملقه ويبيع بواسطتها كل الأخلاق وكل الشعب وكل القيم الإنسانية النبيلة .
ولكن الحمد لله لقد تفجرت الثورة وانتزعت من هذا النظام كل مخالبه وأنيابه القذرة وحولته إلى حثالة كان بإمكانه أن يتجنبها لو أحس ولو للحظة أن ليبيا ليست هو فقط إنما نحن أيضا .

....................................................................................

روائي ليبي من مدينة بنغازي
mohmadalasfar@yahoo.com

كل رواياته طبعها على نفقته الخاصة
صدر له :
المداسة – تقودني نجمة – نواح الريق – شرمولة – يانا علي – سرة الكون – عسل الناس – شكشوكة – ملح – فرحة – وزارة أحلام
كل الروايات صدرت عن دار الحوار بسوريا ودار ميريت مصر ودار الانتشار العربي بيروت ودار ليبيا للنشر القاهرة لصاحبها الناقد الليبي ادريس المسماري وهو معتقل الآن بسبب اتصاله بقناة الجزيرة في بداية تفجر الثورة

هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم
    عندما وصلت إلى جملة (ويطوف بضريح عمر المختار ببنغازي ) التي كتبها الكاتب توقفت عن القراءة.

    لماذا لم يسجد الفارس لضريح عمر المختار ويا ترى على ضريح من كان يطوف عمر المختار وهكذا نذهب رأسا حتى الصحابة و رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

    عمر المختار نحسبه شهيدا ولا نزكي على الله أحد وهو رمز من رموز الجهاد الليبي الاسلامي فقط ليس هو بيت الله الحرام حتى يطاف حوله وليس هو الله كي يُسأل في كل زمان ومن كل مكان ولم يأمرنا الله بأن نقدم له النذور فهو ميت في الدنيا حي في التاريخ.

    والسلام عليكم

    ردحذف
  2. sorry i dont have arabic characters on my computer,

    but All I want to say is ahhhhhhhh I love it, and it has qualities that would remind everyone who reads it to keep pushing until the cruel regime is gone

    Peace and Love,
    Adam

    ردحذف