الاثنين، 7 مارس، 2011

إبراهيم محمد طاهر. : ثورة 17 فبراير والضرورة الدستورية العاجلة.



    الدستور هو حجر الأساس الذي تُبنى عليه الدول؛ فهو لا يُحدد فقط السلطات والأنظمة السياسية في الدولة، ولكنه يحتوي على المبادئ الأساسية لكل جوانب المجتمع: بدايةً من كفل حقوق وحريات أفراد المجتمع، وإرساء المبادئ العامة والجوهرية لفروع القانون المختلفة، وتحديد هيكلية المؤسسات الحكومية – من وزارات، وبلديات، وقوى أمنية وعسكرية، وغيرها – وينتهي إلى رسم القواعد الأساسية القضائية.



    ومن هذا المنطلق، فإن تأسيس دستور يجب أن يكون أحد أهم الأولويات التي تضعها ثورة 17 فبراير نصب أعينها. ولعلنا إذا أردنا تحديد هذه الأولويات، فسنقول أن الدستور يحل في المرتبة الثانية مباشرةً بعد إقامة المجالس الوطنية المحلية. فبلا شك الأوضاع في ليبيا، بعد اكتمال النصر، ستكون مشوبةً بنوعٍ من الاختلاط والتشوش. وهو أمرٌ لا مفر منه. وهذا يستدعي، بالدرجة الأولى، انتشار مجالس لتسيير الأمور. نحن نشهد الآن نشاطاً شبه برلماني من (المجلس الوطني الانتقالي) وهو أمر مُفرح ومُبشر، وسيكون من الضروري تكوين مجالس فرعية، تخضع لسلطة ورقابة (المجلس الوطني الانتقالي)، لتنظيم بقية الشؤون الأخرى – لعل أهمها في الوقت الحاضر هي الشؤون العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية – وهو أمر سيحدث حتماً، ولكن يجب التذكير بأن هذه الإدارة ستكون محصورةً في الإطار الحكومي القديم؛ فهذه المرحلة الأولية ستكون مرحلة (سيطرة) على مقاليد الحكم. ولذلك فمن الضروري جداً وضع منهج دستوري واضح يُمهد الطريق نحو الانتقال التام من دولة (اللانظام) والفوضى الأوتوقراطية، إلى دولة مُنظمة ذات جذور دستورية راسخة.

    ولعل وجود عدد كبير من المحامين والقضاة في واجهة ثورة 17 فبراير هو إشارة مُطَمئنة؛ حيث يبدو مقصد إقامة الدستور أولويةً بديهية، ولا ننسى أن إحدى نداءات هذه الثورة المباركة كانت على الدوام المطالبة بإنشاء الدستور. ولكن يجب أن تكون هنالك موازنة دقيقة بين الأولويات. نحن ندرك أن هذه الظروف هي ظروف غير اعتيادية، وأن المجلس الوطني – الذي ينال كامل تقديرنا واحترامنا ودعمنا غير المشروط – يواجه تحدياتٍ لا يُحسد عليها. ولكننا نعود ونذكر بأن الدستور هو ضرورة مطلقة، لا تقبل التأويل أو التأجيل.

    بلا شك، فإن المجلس الوطني سليتزم طُرقاً ديموقراطية في وضع الدستور، كالجمعية التأسيسية والاستفتاء الشعبي، وسيبتعد عن طرق ديكتاتورية كالعقد والمنحة، وعلى أي حال، ففي غياب (النظام) في ليبيا، فإن إساليب العقد والمحنة لا تُعتبر خياراتٍ متوفرة؛ فبعد القذافي (الذي نتمنى له نهاية موسوليني!) لن يكون هنالك من يُبرم العقد، أو يعطي المنحة. وعدا عن ذلك، فالشعب الليبي بالتأكيد لن يرضى بالتعامل مع القذافي بأي شكل من الأشكال سوى القصاص.

    وربما سنرى في الأيام القادمة تكوين الجمعية التأسيسية الوطنية التي ستعمل على وضع الدستور، وكما أشرتُ سابقاً، فثورة 17 فبراير تفيض بالقانونيين الأكفاء القادرين على النهوض بهذا العبء. وأنا أرجو أن يُسارع (المجلس الوطني الانتقالي) إلى وضع الدستور، ولا داعي، في الوقت الراهن، لإجراء استفتاء شعبي. أتمنى أن لا يتنفض أحد بعد قراءة هذه العبارة الأخيرة، فما أعنيه ببساطة هو وضع دستور (مؤقت)، بمعنى آخر: دستور انتقالي؛ ليُسهل عملية التحول من (الثورة) إلى (الدولة). فالثورة لا يمكن أن تكون حكومة، الثورة هي وسلية بيد الشعب لضمان حرياته ونيل حقوقه التي يجب أن يكفلها له الدستور. والدساتير المؤقتة ليست أمراً جديداً أو غريباً، بل هي ظاهرة أوسع مما نظن، وأغلبية الدساتير الحديثة، إن لم تكن كلها، انبثقت من دساتير مؤقتة: إما بتغيير الدستور كلياً، أو بتعديله، أو حتى فقط بنزع الصفة المؤقتة عنه. ونظراً للظروف الاستثنائية لثورة 17 فبراير، المتمثلة بشكل كبير في غياب مؤسسات سياسية، فيمكن للدستور المؤقت أن يعالج هذا الفراغ بشكل أساسي من حيث الاهتمام بشؤون المجلس الانتقالي: من حيث سلطاته، وسياسته الخارجية، وصفته المؤقتة، وواجباته (ومنها صياغة دستور متكامل)، وأن يعالج أيضاً الأمور العاجلة الحالية كتنظيم الشؤون الأمنية والعسكرية، وتوضيح المبادئ والقواعد القضائية؛ ترقباً لمحاكمة القذافي وعصابته.

    لقد اتفق الجميع على أن ليبيا تتميز عن تونس ومصر بعدم وجود نظام حكم تقليدي، وبانعدام المؤسسات، الأمر الذي يمنح الثورة في ليبيا أفضليةً رائعة في ضمان تطهير البلاد كلياً من فساد النظام، وهو هدف مازلت ثورتا تونس ومصر تجاهدان من أجل تحقيقه؛ بسبب وجود ترسبات عالقة بالمؤسسات السياسية من الأنظمة المخلوعة. ولعل تكوين المجالس المحلية، وتكوين المجلس الوطني الانتقالي هو أفضل دليل على أن انعدام (النظام) في ليبيا يُوفر لليبيين فرصةً غير مسبوقة للتقدم لتولي زمام الأمور بسرعة وبفعالية. ولكننا نقول بأن إصدار البيانات والقرارات ليس كافياً في هذه المرحلة، ويجب أن يتواجد أساس متين ليكون مرجعاً، وليستند عليه الشعب الليبي في مسيرته نحو الحرية، كما أن الوقت يبدو مبكراً للغاية للحديث عن جمهورية أو مملكة أو أي نظام سياسي آخر، فالثورة دائماً ما تكون فترةً فتية، غير بالغة، وهي تنمو وتزدهر لتكون دولة شرعية قانونية. ونحن قد تجاوزنا في ليبيا عدة مراحل مبكرة من الثورة: انطلقنا من مرحلة التمرد والانتفاضة، وعَبَرنا بألمٍ شديد مرحلة التضحيات والشهداء، ونحن الآن نعيش مرحلة الجهاد والزحف نحو النصر... وما نرجوه الآن هو توفير الأساس الدستوري اللازم لإتمام عملية التطور من صبا الثورة إلى بلوغ الدولة.

    لقد قطع الشعب الليبي العظيم شوطاً كبيراً باتجاه أفق الاستقلال الأحمر، حيث تُشرق شمس الحرية، ودفع، ومازال يدفع، ثمناً غالياً من أرواح الليبيين، ويجب علينا أن نتخذ الخطوات اللازمة لتأمين هذا النصر، وأن نتجنب الوقوع في متاهات الفوضى، والغرق في تيارات الحيرة بشأن تحديد المصير.

هناك تعليق واحد:

  1. أنا لاأتفق معك ياأستاذ ابراهيم لايوجد أي داع لوضع دستور بشكل مؤقت للبلاد لأن هذ سيؤدي بدوره الي نتائج عكسية تماما اي الي خلق فوضي وانما الصحيح هو اعطاء لكل مرحلة حقها وخصوصاً مرحلة صياغة الدستور وذلك لنتجنب أخطاء قد تؤدي لدخول البلاد في متاهات لمدد طويلة .

    سعاد

    ردحذف