الأربعاء، 30 مارس، 2011

إبراهيم محمد طاهر. : تأملات على هامش ثورة 17 فبراير: 1.


انتماء
قال له: أنا من ليبيا... وبعد ذلك سأله: من أين أنت؟
أجابه: من ليبيا.
سأله: ومن الشرق أم من الغرب؟
أجابه: من ليبيا
سأله: فمن البادية أم من المدينة، وهل هي منطقةٌ صحراويةٌ أم ساحلية؟
أجابه:  من ليبيا.
سأله:  من أي قبيلةٍ تتفرع عائلتك؟
أجابه:  من ليبيا.
سأله: فمن أين تنحدر أصول قبيلتك:  أمن العرب، أو الأمازيغ، أم الطوارق؟
أجابه:  من ليبيا.
سأله مُتعصباً:  أفلا تستطيع أن تقول لي شيئاً واحداً مفيداً؟؟
فأجابه واثقاً:  بلى أستطيع: أنت لستَ من ليبيا.
*  *  *
حلم
سأل الابن الشاب والده المسن بشوق:  خبرني عن ليبيا يا أبي وكيف كانت فيما مضى؟
همس الوالد المسن لابنه الشاب بهدوء:  ششـش...
سأله ابنه الشاب متعجباً:  هل تخاف الحديث عن العهد البايد؟!
أجابه والده المسن بثقة:  الباهي... ولا يا بني، لست أخاف الحديث وأنا في وسط بيتي.
فسأله ابنه الشاب باستنكار:  فلماذا الصمت يا أبي؟
فقال والده المسن بعد أن تنهد:  يا بني.. ليبيا كانت بداية حياة وأصبحت حلماً، فمنذ يوم الانقلاب الأسود وليبيا هي جريمة خيال – حلمٌ مُحرم.. والأحلام يا بني إما أن نرجوها في فضاء النوم والخيال، أو نرومها في أرض العزم والأفعال، وليست توجد في عالم النطق والكلام؛ فالحلم يا ابني إما في القلب أو في اليد، ولا مكان له في اللسان.
وبعد أيام كان الابن في كل الشوارع، مع الحشود يهتف... وبعد أيامٍ أخرى كان الأب في جنازةٍ في كل الشوارع، مع الحشود يُكفكف الدمع ويهتف.
*  *  *
إرادة
منذ عقودٍ والشعب ينادي: أيها القدر.. إذا الشعب يوماً أراد الحياة... هل ستستجيب؟
يهز القدر رأسه، ويمتنع عن الإجابة...
وينادي الشعب من زنزانة التعذيب، يتجاهل آلامه ولا يصرخ (آه)، بل ينادي: أيها القدر.. إذا الشعب يوماً أراد الحياة... فهل ستستجيب؟
ويستمر ليل الصمت، فلا يجد الشعب من القدر رداً سوى السكوت. ويستمر نداء الشعب، يستمر استنجادهم، يستمر همسهم... ولا إجابات يلقونها، لا يجدون سوى صدى نداءهم، نداءهم الذي لا يجد فيه القدر التزاماً بالاستجابة، يهز كتفيه ويبقى جالساً في هدوء.
والآن وقف الشعب، شد على قيوده وكسر أبواب سجنه، وإلى ساحات الكفاح انطلق... تطلع إلى عين الشمس، ثم قال للقدر بثقة: أيها القدر الشعب اليوم يريد الحياة، ولابد أن تستجيب.
ابتسم القدر، ونهض وهو يقول: اليوم أدرك الشعب أن الإرادة فعلٌ لا قول.. اليوم لابد أن يستجيب القدر.. لبيك أيها الشعب لبيك...
*  *  *
هوية
في الأسابيع الأولى من ثورتنا المباركة، حين تصدع عرش الملك، وتحطم وهم الألوهية، سألنا الحاكم مُستنفراً، فاقداً للعقل، يرتعشُ من الحقيقة، ويرتعد من اقتراب فجر الحرية، سألنا من وراء حصونه، في ظلمات الليل، سألنا بهمجية سفاحٍ مفزوع: من أنتم؟! من أنتم؟!
وكل ما حضرني في تلك اللحظة بيتٌ من قصيدةٍ للجواهري؛ ففيه الجواب والبيان...
جوابٌ شافٍ، ليس لجنونه هو؛ فنحن لن ننثني إلى الأسفل لنحاول مخاطبته فنُضيع أنفاسنا في حوار ما لا يعقل، بل هو بيتٌ فيه جوابٌ للثوار، ولنا، ولكل الأحرار، جوابٌ، وإنذارٌ، تهديدٌ، وإقرار:

يقولونَ مَن هم أولاء الرُّعاعُ    فـأفـهِمْـهُمُ بـدمٍ مَـن هُمُ

*  *  *
الغضب
قال الأول لصديقه:  إنني أخشى أن تكون هذه الثورة مجرد انتفاضةٍ وقودها الغضب...
سأله الثاني:  وما العيب في ذلك؟!
أجابه الأول:  الغضبُ وقودٌ سريع الاحتراق، يهدد الصديق قبل العدو، وليس له أساسٌ من الأخلاق؛ فلا يمكن لثورةٍ باسم الحرية أن تُبنى على الغضب.
قال الثاني:  يا صديقي، كلامك صحيح، لهيب الغضب قد يحرق صاحبه، وتخلو نيران الغضب من المبادئ.. ولكن هذه الثورة لم تنبع من الغضب؛ هذه الثورة وُلدت من الشوق إلى الحرية، والحاجة إلى العدالة، هذه الثورة أساسها الإنسان، والغضب ما هو إلا وقود كما قلت أنت، فهو جزءٌ من روح الإنسان وعزيمته، يقوده إلى المقاومة، ويحركه للكفاح... واذكر إن أردت قول الشاعر نيرودا: (غضبي، ما هو إلا يدٌ تُشير إلى شوارعٍ مكبوتة...)
*  *  *
بناء
مشى الرجلان وسط الحشود المُغتبطة في الساحة، يتبادلان التحيات والتهاني مع الجميع.
وبالرغم من ذلك، وفي وسط كل هذا الفرح، كان أحدهما مشغول البال. تطلع نحو السماء، واحتضن بأعينه علم الاستقلال وهو يُرفرف عالياً على أحد المباني، تُُشع الشمس خلال ألوانه المُعبرة، ويتمايل بوقارٍ أمام خلفيةٍ من السماء النقية. ثم نزل الرجل بنظره إلى المبني الحكومي المحروق. وعاد ذلك الإحساس بالقلق ليتسلل إليه.
سأله صديقه:  ما بك؟ تبدو مكتئباً وشارد الذهن؟
أجابه الرجل بعمق:  يقلقني هذا الدمار... هذا المحو الشامل للماضي...
تعجب صديقه وسأله:  أيقلقك دمار هذا الماضي الأسود؟!
هز الرجل رأسه وقال:  لا يقلقني محو الظلم والاستبداد، ولكن يقلقني دمار الأساسات... ألبير كامو قال في حديثه عن الثورة: (إن تدمير كل شيء هو التزام المرء بالبناء بدون أساسات، ثم اللجوء إلى إسناد الجدران بيديه.) إننا لا نُبقي على شيء يمكننا أن نبني عليه، وهذا، يا صديقي، هو ما يُقلقني...
ابتسم صديقه وقال:  مع احترامي لهذا السيد كامو، أقول لك أنه نسي شيئاً بالغ الأهمية، وأنت أيضاً نسيته...
سأله الرجل بفضول:  وما الذي نسيناه؟
أجابه صديقه:  لقد نسيتما الشعب... الإنسان يا أخي هو الأساس الأبدي لكل الشيء، هو المحور الدائم الذي يدور حوله الكون. وهذه الثورة أساسها الشعب، قامت من الشعب، بالشعب، وللشعب... والشعب هو الأساس الذي سنبني عليه موطننا، ولن تكون شظايا الماضي الكريهة وترسباته العفنة أساساتنا التي سنبني عليها الوطن... فلا تنسى يا صديقي أن الشعوب هي التي تؤسس الدول وتبنيها وليس العكس.
*  *  *
.

هناك تعليق واحد:

  1. جميل.... و شكرا على النشر!

    ردحذف