الأربعاء، 1 فبراير، 2012

إبراهيم محمد بن عمران : دور الإعلام وتأثيره على الأطفال فى الحروب *



سأستعرض فى هذا البحث معانات وتأثير الأطفال الليبيين أثناء حرب اللانظام ‏القذافي وانتهت بنهايته البشعة مع شعب مسالم طالب بتحقيق حريته وكرامته واسوة ‏بثورتي الربيع العربي فى تونس ومصر .. ولا بد لي من تعريف للطفل كبداية البحث ومن ‏ثم الإعلام .. فالطفل كما تعرف الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل فى مادتها الأولي منها أنه ‏كل انسان لم يبلغ السن الثامنة عشر فهذا التعريف القانوني للطفل الذي اتفقت عليه ‏المجموعة الدولية لاينفي الخصائص النفسية والاجتماعية لكل مرحلة عمرية ويقسم علماء ‏النفس الطفولة الى مرحلة الطفولة الأولي وهي تبدأ منذ الولادة الى العام الثالث للطفل .. ‏والمرحلة الثانية للطفولة من 3 الى 6 سنوات من عمر الطفل والمرحلة الثالثة بما فيها فترة ‏المراهقة تبدأ من بين سن السابعة وحتي البلوغ ... ويمكن تعريف وسائل الإعلام بأنها ‏تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والبرامج المتنوعة والمعلومات الصحيحة والحقائق الثابتة ‏التى تساعدهم على تكوين رأي صائب فى واقعة أو حدث أو مشكلة بحيث يعتبر هذا ‏الرأي تعبيراً موضوعياً عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم وميولهم .. فالإعلام إذاً هو عملية ‏تعبير موضوعي بالفعل يقوم على الحقائق والأرقام والإحصاءات ويستهدف تنظيم التفاعل ‏بين الناس من خلال وسائله المتعددة وهي عبارة عن المواد الأدبية والعلمية والسياسية ‏والفنية والدينية والتربوية للاتصال الجماعي بالناس بشكل مباشراً أو غير مباشر , من ‏خلال الأدوات التى ينقلها أو يعبر عنها مثل الصحافة والإذاعة والتلفزيون وشبكة ‏المعلومات ووكالات الأنباء والمعارض والخطب والمؤتمرات ..


        لذلك لابد من التاكيد على أن الإعلام القذافي أثناء حربه الظالمة ضد شعبنا كان ‏اعلاماً كاذباً وشرساً استخدام محطاته التلفزيونية لبث الأكاذيب وتخويف الأطفال والنساء ‏والشيوخ بأساليب دهاء ماكره وخبيثة بينما حاول إعلام ثورة 17 فبراير استخدام الفيس ‏بوك والانترانت بمساعدة من العديد من المحطات التلفزيونية العربية كالجزيرة , والعربية , ‏والحرة , ولآن , وفرنسا 24 العربية , فى ارسال الصور والحقائق عبر مراسلات من داخل ‏الحدث وفى الجبهات والمدن التي تحررت فى الشهور الأولي لهذه الثورة التى شملت كل ‏ربوع ليبيا وزاد التنافس الإعلامي فى عودة بث المحطات الإذاعية المسموعة إلا أنها لم ‏تفلح فى تقديم برامج خاصة للأطفال وامهاتهم بل خطابها سياسي وديني وتحريضى ولم ‏يستطع أطفالنا مشاهدة برامج الأطفال والرسوم المتحركة فى المحطات الفضائية الأخرى ‏مع إيقاف المدارس فى الجزء الشرقي من البلاد وخوف أطفال المنطقة الغربية وكذلك ‏الوسطي من الذهاب لمدارسهم نتيجة لالحاح ذويهم بالتواجد فى البيوت خوفاً من الكوارث ‏والمصائب التى قامت بها كتائب القذافي ومرتزقته وأزلامه من زرع الخوف واستخدام ‏الأسلحة الثقيلة لقتال الثوار الذين خرجوا لتحرير وطنهم من دنس المجرمين والذين استغلوا ‏أطفال صغار بالقوة وغرر بهم فى حرب من أجل أسرة تريد أن تواصل  حكم البلد دون ‏وجه حق بعد معاناة استمرت على مدي 42 عاماً من الترهيب والتخويف والقتل والإبادة ‏والاعتقالات للوطنيين الأحرار من الشعب الليبي بل طال نظامها الفاسد الى شعوب العالم ‏‏.. كما استغلت قوات مليشيات القذافي هيمنتها القوية على مدن آمنة لتشغيل أبشع واقذر ‏ممارسات قامت بها مع الموالين لها ضد النساء والأطفال وخاصة الاغتصاب الذي لازال ‏الشعب الليبي والعالم متأثراً لنتائجه السلبية ولم تفلح المحاولات التى تقام من حين الى ‏حين حول المصالحة الوطنية إلا بعد محاسبة ومعاقبة من سبب فى إرهاق الأرواح ‏والاعتداء الجسدي على طفولتة بريئة ونساء شريفات .. كما أن أحداث الكتيبة فى بنغازي ‏كان لها الأثر الكبير فى نفوس الأطفال الذين يعيشون مع أسرهم فى منطقة البركة ‏ومستشفى الأطفال مشاهداً على إصابات أطفال بالهلع والفزع ومرض السحايا كما عاشت ‏أمهات من رأس الانوف والبريقة واجدابيا ومصراته وبقية أحياء بنغازي الآثار النفسية لهن ‏ولأطفالهن .. وأن نزوح عائلات من بنغازي للمرج فى يومي 18 , 19 / مارس /2011م ‏كان بسبب الخوف من وصول الرتل المجرم للعبث فى كل شئ ولو بالاستغلال الجنسي ‏للحرائر والأطفال البنات .. أنها حرب قذرة لا يعقلها عاقل ولم تقم من قبل فى أي مكان ‏من العالم بما فيها دولة صهيون المجرمة .. لقد استخدم المقبور وأبناءه الفاسدون أساليب ‏القمع ووزعوا الأموال واستعانوا بمرتزقة أجانب لكي يرعبوا الشعب الذي انتفض وساهم مع ‏الثوار فى الدفاع عن الشرف والعرض رغم التضحيات والدماء التى سالت فى سبيل تحرير ‏الوطن من العصابات التى عبثت بمقدرات وخيرات ليبيا وجعلت شعبها فقيراً ومظلوماً ‏ومغلوباً على أمره رغم محاولات الابطال تغيير الحكم القمعي والإرهابي .. ولقد أشرك فى ‏حربه هذه أطفالاً لا ذنب لهم أجبروا على الانخراط كمتطوعين فى صفوف مليشياته .. ‏فلا يجوز قانونياً لأشخاص دون سن الثامنة عشر من عمرهم المشاركة فى النزاعات ‏المسلحة أكانت مشاركتهم طوعية أم قسرية وبالتالي يتوجب على الدول وفقاً للقانون ‏الدولي أن يؤمنوا حماية كاملة للأطفال من كل أشكال المشاركة فى النزاعات من دون ‏تفريق بين الجيش النظامي والجماعات المسلحة فى أي مكان وزمان وهذا ما جعل دول ‏الخليج العربي ومن بعدها جامعة الدول العربية تعلق عضوية العصابة الحاكمة فى ليبيا ‏من الجامعة العربية وايصال استعانة ونداء المجموعة الدولية وعن طريق مجلس الأمن ‏تدخل لحماية المدنيين الليبيين وخاصة الأطفال والنساء ويقوم حلف الشمال الأطلس ( ‏الناتو ) بضرب الرتل القادم لبنغازي فى يوم 19/03/2011م رغم جهود طيارينا ‏الوطنيين فى ايقاف تقدمه مضحين بحياتهم فى سبيل الدفاع عن الشعب من غطرسة ‏وكبرياء عائلة معمر القذافي والمقربين لها لمحاسبتهم على ما اقترفوه من جرائم لاتعقل .‏

ومع ذلك ما هو مصير الأطفال الذين تركوهم خلفهم يعانون من فقدان آبائهم المجرمين ؟ ‏كيف ستكون مشاعرهم مع بقية الأطفال الذين كان آبائهم شرفاء استشهدوا وأصيبوا او ‏فقدوا من جراء هذه المعارك دون أن يستخدموا عقولهم فى الاصطفاف مع الشر المتمثل ‏فى معمر القذافي وأولاده أو الوقوف مع الخير المتمثل فى مقاومة ثوارنا الأبطال ‏وتضحياتهم فى سبيل تحرير الوطن .. وهل الأموال والذهب الذي أغدق به الأشرار أبقت ‏القذافي فى الاستمرار بحكم البلاد ؟ لا .. وألف لا .. أن أرادة وتصميم الليبيين على ‏التحرر والعيش بكرامة فوق أرضهم جعلتهم ينتصرون فى هذه الحرب .. ورسم أطفالنا ‏لوحات لعيد النصر ولمقاومة ثوارنا الاسطورية .. يغنوا ويرددوا أطفالنا أغاني الحرية ‏والوطن .. ولكن آثار هذه الحرب لازالت مؤثرة فى نفسيات أطفالنا بل ان باحثاً أمريكيا ‏فى مستشفي الأمراض النفسية فى بنغازي أوضح بأن مرض الأرق مصاب به الليبيين ‏وتختلف درجاته بين الرجال والنساء والأطفال لأنهم لم يشهدوا فى تاريخهم الدمار والموت ‏الذي زرعه القذافي طيلة الثماني الشهور بعد بداية الشرارة من بنغازي ويستوجب أن تقوم ‏أجهزة الإعلام والمؤسسات التعليمية والتربوية بدورها لتخفيف شدة التوثر بين الشعب ‏الليبي وهنا لابد من التوضيح بأن الأجهزة التلفزيونيا وإذاعاتنا العامة والخاصة لازالت ‏مقصرة نحو تقديم برامج هادئة ومطمئنه لما حدث فى فترة الحرب .. وأعتبره ضعفاً نتيجة ‏لغياب الخطاب الإعلامي الممنهج والموجه خاصة للأطفال وفلا نكاد نسمع ندوة أو برامج ‏تهتم بهذه الشريحة العمرية التى لازالت تعاني مشاكل نفسية واجتماعية وعدم رغبة فى ‏ممارسة نشاطها الرياضي أو الفني وخاصة وأن هناك اشباه الثوار لازالوا يعبثون باطلاق ‏الأعيرة النارية والعصابات الهاربة من السجون تبيع المخدرات وتسرق الأموال والسيارات ‏والممتلكات بقوة السلاح .. وفى غياب الأمن وتعدد الكتائب بزعامات لا تريد الانضمام ‏الى وزارتي الداخلية والدفاع سيستمر الفزع والقلق للكبار والصغار .. وما الاحتفاء بالأفراح ‏واللعب والتسابق فى اطلاق الذخائر إلا تأكيداً على غياب الأمن فى أحيائنا التى تبحث ‏عن الوئام والسلام ..‏

        ولنعود تاريخاً الى قضية حماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة مرتبطة بسياسة ‏منظمة الأمم المتحدة حيال حقوق الطفل وحفظ السلام وبنائه وصنعه وقد أكدت اتفاقية ‏حقوق الطفل على وجوب تربية الأطفال وفقاً لمبادئ ميثاق منظمة الأمم المتحدة وعلى ‏الخصوص السلام والكرامة والحرية والتسامح والمساواة ولابد من التذكير ما قامت به ‏جمعية حقوق الطفل فى بنغازي أثناء وجود اسر النازحين للمدينة والقادمين مع أطفالهم ‏من مناطق التوتر والنزاع من رأس لانوف والسدرة والزويتينة والبريقة واجدابيا وحتى ‏مصراته من برامج ترفيهية فى منتزهات وحدائق بنغازي وكذلك الحال قيام مجموعة ‏بسيطة من الجمعيات الأهلية بتقديم الألعاب والهدايا فى مقار اقامتهم .. وتوفير المواد ‏الغذائية والرعايا الصحية والطبية لهذه الأسر وخاصة فى الشهور الأولي لبداية الثورة ‏بينما لا زالت قوات الطاغية تحاول التقدم فى اتجاه بنغازي والمناطق الشرقية .. وللعلم ‏وحسب الاحصائيات فإن هناك 300 الف طفل من دون السن القانونية الثامنة عشر – ‏بما فيهما مضى بين شهري فبراير وأكتوبر 2011 فى ليبيا شاركوا فى نزاعات مسلحة فى ‏مختلف مناطق التوثر فى العالم .. وقد تعرض أطفالنا مثلما يتعرض الأن الأطفال ‏بالالاف فى العالم الى أشكال عنيفة من المأسي الإنسانية كالتعذيب أو العنف الجسدي ‏الحاد .. أو مشاهدة امهاتهم وهن يغتصبن أمامهم وأمام آبائهم .. أو من خلال التوقيف ‏الاعتباطي والتهجير القسرى والذي أشرنا اليه ونضيف ماذنب أطفال تاروغاء أو سرت ‏فى تهجيرهم من ديارهم ؟ ووصولهم الى بنغازي المكتظة بالسكان من مناطق ليبية أو ‏سورية .. لقد شاهد الأطفال المجازر التى ارتكبها اللانظام المنهار فهم قد يحملون ‏بالانتقام مستقبلاً من أزلام القذافي ..‏

        تتنوع الوظائف التى يقوم بها الأطفال أثناء تجنيدهم وهي فى جميع الأحوال تشكل ‏انتهاكات صارخة لحقوق الطفل فقد يكونوا حمالين أو بائعي المخدرات والدخان أو غسل ‏السيارات أو جواسيس وكم كان لعب الأطفال في ليبيا فى مخلفات حرب القذافي وسببت ‏فى بتر أو قطع ارجلهم أو أياديهم ومنهم من انتقل الى رحمة الله فى البريقة ا وفى زليتن ‏وسرت .. ولقد عمل اتباع القذافي على زرع الالغام التى يصعب اكتشافها وجلبها من ‏البرازيل أثناء فترة الحرب الخاسرة لهم مع ما أصابنا من تفجيرات ملعونة وقذرة وغير ‏انسانية بعد اندحارهم وفرارهم وهزيمتهم بفضل ثورانا .. إلا أن كما اسلفت الآثار التى ‏ترتبت على الأطفال الليبيين كالتبول اللاإرادي وعدم النوم والخوف من الكوبيس الليلية ‏وما شاهدوه من اشلاء ودماء الذي بثته المحطات التلفزيونية والمواقع الالكترانية والصور ‏المحفوظة فى الهواتف النقالة . كما لازال يشعر بعض الأطفال من اضطرابات فى الأكل ‏وعدم القدرة على التركيز وأيضاً يرافق الطفل الضغط النفسي من جراء المشاهد والأحداث ‏المؤذية التى شاهدها على الطبيعة أو من خلال التلفاز ..‏

        وطبعاً يمكن للراشدين وللنساء والشيوخ ان يعانوا او قد عانوا من نفس المشاكل ‏التى يعاني منها الأطفال .. انما الفرق هو ان الكبار قد نعموا بفرصة التنشئة الاجتماعية ‏وفقاً لقيم الحياة المدنية قبل ان يشاركوا أو يشاهدوا هذه الحرب التى فرضت علينا وكان ‏بامكان القذافي التنحي منذ تحرير شرق ليبيا بعد أربعة أيام من بدايتها ليصلوا ثوارنا الى ‏الوادي الأحمر .. فالكبار يمكن بقدرتهم الرجوع الى حياتهم الطبيعية وفقاً لما اكتسبوه ‏اجتماعياً فى طفولتهم .. أما أطفالنا فهم لم يعرفوا غير هذا الجو العنيف فتتم تنشئتهم الا ‏وفقاً للدماء والقتل ومن هنا يستوجب على اجهزة اعلامنا الخاص والعام المسموع والمرئي ‏ضرورة الاهتمام بهذه القضية وتفعيل برامج ترفيهية وتربوية ونفسية لإعادة النفوس البريئة ‏الى طبيعتها ومحاولة نسيان الشهور الدموية التى سبب فيها اللانظام من كوارث ‏ومصائب فى بلادنا .. كما ان على المؤسسات التعليمية ان تعيد تنظيم برامجها التربوية ‏وعدم استخدام القسوة أو الضرب فى التعامل مع التلاميذ واعطاء الحرية فى النقاش ‏والحوار والتعبير وسد العجز والتقصير الاعلامي فى هذا الصدد .. كما يتطلب من ‏الاخصائيين النفسيين والاجتماعيين القيام بدورهم فى هذه الفترة المهمة والصعبة بعد ‏تحرير كامل تراب الوطن العزيز على أمل ان يعيش أطفالنا البراءة والحب والأمان وأن ‏نبني دولة الحرية والمؤسسات ونتسابق مع الزمن للعمل والبناء والعيش الكريم .



________________________    

   * بحث مقدم من الخبير الإعلامي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق