الثلاثاء، 31 يناير، 2012

أحمد محمود القصير : انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و تزايد الانتقادات الدولية ، المطلوب خطوات عملية على أرض الواقع




تصاعدت حدّة الانتقادات لممارسات حقوق الإنسان في ليبيا من قبل المنظمات غير الحكومية الدولية و المنظمات الدولية. منظمة مراقبة حقوق الإنسان "Human Rights Watch"، منظمة العفو الدولية "Amnesty"، منظمة أطباء بلا حدود، الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا السيد إيان مارتين و المفوض السامي لحقوق الإنسان السيدة نافي بيلاي. سيعرض الشهر القادم تقرير بعثة فريق تقصي الحقائق، التابع للأمم المتحدة، على المنظمة الدولية، و مجلس حقوق الإنسان سوف يناقش في إطار العرض الدوري الشامل لملف حقوق الإنسان في ليبيا.




منظمة مراقبة حقوق الإنسان أصدرت في شهر يناير الجاري ضمن تقريرها السنوي، وأعربت في الفصل الخاص بليبيا، عن قلقها وأن "من بواعث القلق الأهم ضعف نظام العدالة الجنائية ومشاكل التعذيب وإساءة معاملة المحتجزين، والهجمات الانتقامية ضد مسئولي القذافي و مؤيديه...". منظمة أطباء بلا حدود أصدرت بيان بتاريخ 26 يناير 2012م تعلق فيه " عملها في مراكز الاعتقال في مصراته جراء عمليات تعذيب المعتقلين وحرمانهم من الرعاية الطبية". السيدة نافي بيلاي، المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، في جلسة أمام مجلس الأمن الدولي تحدثت عن"تلقي مكتبها "معلومات عن حصول عمليات تعذيب" في مراكز الاعتقال السرية" و أعربت عن " قلقها الشديد من ظروف اعتقال الأشخاص". منظمة العفو الدولية، في بيان لها صدر بتاريخ 26 يناير 2012م، أعلنت عن "إن عدة معتقلين فارقوا الحياة عقب إخضاعهم للتعذيب في ليبيا في الأسابيع والأشهر الأخيرة، وسط أنباء عن تفشي التعذيب وإساءة المعاملة على نطاق واسع لمن يشتبه بأنهم كانوا من مقاتلي القذافي أو الموالين له".

هذه التقارير تتحدث عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و على نطاق واسع، الجميع يعلم أن المجلس الوطني و الحكومة المؤقتة لا يملكان السلطة لمنع هذه الانتهاكات و لا محاسبة مرتكبيها، من هنا يجب عليهما التوقف عن قطع وعود للمجتمع الدولي هم أول من يعلم أنهم لن يستطيعوا الوفاء بها. إلا أن هذا لا يعني بحال أنهم معفوون من المحاسبة، فالمسئولية تقع عليهم في معالجة هذه الأوضاع أولاً. ويظل الإنكار أو إعطاء وعود لا يملكون القدرة على تنفيذها، أسلوبا فاشلا لا يجدي نفعاً على أرض الواقع ولا في المحافل الدولية.

ثورة 17 فبراير التي أطاحت بحكم الديكتاتور، هي ثورة انطلقت من أجل الحرية و رفع الظلم و تحقيق العدالة، و هي ثورة شعب و ليست ثورة فئة منه كما أنها ليست انقلاباً على الحكم دُبِّر بليل. من هنا فالمسئولية يجب أن يتحملها الشعب في عمومه والنُّخَب و مؤسسات المجتمع المدني بخاصة، إذ لو قدر لهذا الوضع أن يستمر على ما هو عليه، فستكون ليبيا دولة مارقة وستتعرض للنقد و للمسائلة القانونية الدولية، و ربما أسوأ من ذلك من الإجراءات التي يمكن أن يتخذها المجتمع الدولي.

إذن والحال هذه، ما الذي ينبغي عمله لتدارك الأمر و وضع الأمور في نصابها؟

·        أن ترسل مؤسسات المجتمع المدني، و خاصة المعنية بحقوق الإنسان، رسالة واضحة إلى الكتائب العسكرية و اللجان و الأجهزة الأمنية و المجالس المحلية و العسكرية، مفادها:

o       بأن هذه الانتهاكات لا يمكن القبول بها و لا يمكن تبريرها، وأن الالتزام بالقانون واحترامه واجب في كل الأوقات و الأحوال

o       وأن الانتهاكات والممارسات المخالفة للقانون، تُهدد مستقبل ليبيا كلها لا منطقة أو تشكيلا بعينه

o       وأن المجتمع الدولي لن يصبر كثيرا إذا استمرت الانتهاكات، وسيتدخل عاجلا أم آجلا، و ربما سيجد البعض أنفسهم تحت ملاحقة القانون الدولي في جرائم قد ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية

·        أن تقوم وزارة الداخلية بنقل كل المعتقلين في مراكز اعتقال رسمية و معروفة تشرف عليها وزارة العدل، و تغلق كافة المراكز غير الرسمية.

·        ضمان كافة الحقوق القانونية للمعتقلين و منها حق توكيل محامٍ للدفاع و عدم التعرض للتعذيب أو أي صنف من المعاملة المهينة أو التي تمس بالكرامة.

·        أن تقوم الحكومة الانتقالية بإعطاء أولوية قصوى لإعادة بناء مؤسسات إنفاذ القانون بأسرع ما يمكن حتى تتمكن من مباشرة تسوية أوضاع المعتقلين.

·        أن تشكل هيئات تحقيق في الانتهاكات التي وقعت و محاسبة المتورطين فيها.

هذه الخطوات قد يظن البعض أنها لا يمكن أن تتحقق، و أتفق معه أيضاً في ظل غياب الحراك المجتمعي المدني الذي نراهن عليه اليوم. إن المطلوب من المجتمعات في كافة المدن، أن تقوم بحراك مجتمعي سلمي من أجل فرض هذه التغييرات، و لنا في الحراك المجتمعي في مدينة درنة نموذج عملي و واقعي، فمن خلال التظاهر السلمي و التجمعات تمكنت درنة من تحقيق مطلب الشارع في إخلاء التشكيلات المسلحة للمباني الإدارية و المقار العامة.

و لنتذكر أن تفاعل المجتمع الدولي مع قضية الشعب الليبي بدأت من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عندما قرر في جلسة تاريخية بتاريخ 25 فبراير 2011م بتعليق عضوية ليبيا في المجلس و طالب بإحالة ملف ليبيا إلى مجلس الأمن الذي أصدر قراره الأول في القضية الليبية يوم 26 فبراير 2011م. إن انتصار القضية الليبية بدأ من خلال البوابة الحقوقية، بل إن السيدة دوناتيلا روفيرا، كبيرة مستشاري الأزمات في منظمة العفو الدولية، و التي أعدت تقرير المنظمة، كانت من أوائل النشطاء الحقوقيين الذين وصلوا إلى مصراته في شهر أبريل/مايو 2011م عن طريق البحر في جرافة صيد. و كذلك فريق أطباء بلا حدود ساهم في المساعدات الطبية إلى مدينة مصراته، من معدات وأطقم طبية ومستلزمات أيام الحصار، خاطروا بأنفسهم أيام الحصار على مدينة مصراته لينقلوا للعالم جرائم الكتائب ضد أهل المدينة و يضمدوا الجراح، و هم اليوم شهود على جرائم ترتكب في المدينة ذاتها و لكن بأيدٍ أخرى.

و ليعلم الجميع أن الإنسان إذا سلك مسلك عدوه وتخلّق بأخلاقه فإن ذلك أمارة الانهزام في المعركة، وإنْ زُين له الانتصار في المعركة العسكرية. نريد بناء ليبيا الجديدة عبر فصلٍ تام مع ممارسات و ثقافة و جرائم حقبة الاستبداد الماضية، وأن نفتح صفحة جديدة مشرقة باحترام الحقوق والقانون وإعطاء كل ذي حقٍ حقه وإن كان ظالماً، إننا لن نبني ليبيا الجديدة بانتهاك القانون أو الاعتداء على الحقوق و الحريات، و لن نصنع الأمن والأمان في ربوعها ما لم تتحقق العدالة بين الناس واقعا عملياً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق