الخميس، 26 يناير، 2012

د. أنيس مصطفى القاسم : مشروع قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام الليبي


مشروع قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام الليبي
مذكرة أولية تمهيدية

د. أنيس مصطفى القاسم
مقدمة
1.     تميزت ثورة السابع عشر من فبراير بخصائص يجب الا تغيب عن البال في التخطيط للمستقبل وفي فلسفة التشريع ومنطلقاته الفكرية والقانونية التي يتوجب الحفاظ عليها والحرص على تثبيتها والتذكير بها. وفي مقدمة هذه الخصائص أنها كانت ثورة شعب بأكمله، بجميع مكوناته، وفي جميع أماكن تواجده، في أرض الوطن وخارجه، تعبيرا عن وحدة شعبية تميزت بالاستعداد الفعلي والتلقائي لبذل أغلى ما يملكه الانسان، وهو الحياة، لتخليص الوطن كله من نظام استبدادي كان ضحاياه الوطنَ وابناءَه، لا فرق في ذلك بين مقيمٍ ومُهَجَّر، حيث لاحقهم البطش والاذى جميعا اينما كانوا.  وثاني هذه الخصائص أن هذا التحرك الشعبي الجمعي كان تلقائيا ملتزما بأن لا يتوقف حتى تستكمل الخطوات التي الضرورية لبناء مستقبل ركائزه الحرية والكرامة، كرامة الوطن والمواطن، والعدالة الاجتماعية والحفاظ على وحدة الشعب والوطن، واحترام سيادة القانون وحقوق الانسان واسترداد الشعب لسيادته على وطنه وعلى ثرواته الطبيعية.ركائزه الحرية والكرامة، كرامة الوطن والمواطن، والعدالة الاجتماعية والحفاظ على وحدة الشعب والوطن، واحترام سيادة القانون وحقوق الانسان واسترداد الشعب لسيادته على وطنه وعلى ثرواته الطبيعية.فكان هذا التحرك تعبيرا عن انتماءٍوولاءٍ متوطنٍين في اعماق وضمائر جميع ابنائه، أينما وجدوا.هذا التحرك الشعبي الجمعي أفشل ما كان هناك من حديث عن احتمالات انقسام وتجزئة. الشعب الليبي، بشيبه وشبابه، رجاله ونسائه، افشل جميع التنبؤات السلبية بالمزيد من التلاحم والتكاتف بين أبنائه والتعالي عما يفرق والتركيز على ما يجمع في نضال أطلق خير ما في النفوس من أصالة ووفاء.


2.     ما أقرب اليوم من البارحة، وإن كان بينهما عقود. فهذه الروح التي تجلت في ثورة 17 فبراير وجمعت الشعب الليبي كله في وحدة وطنيةنضالية تمسكت بوحدة الشعب والوطن هي ذاتها التي قهرت محاولات تقسيم الشعب والوطن في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، وحافظت على وحدة ليبيا وطنا وشعبا وأرضا، ووضعت بعد الاستقلالالدستور والتشريعات التي تعبر عن ذلك. فالدستور اقام المملكة الليبية "المتحدة"، رافضا محاولة تقسيم البلاد، ومنح الجنسية الليبية لكل من هو من أصل ليبي، مساويا في الحقوق العامة والواجبات بين الليبيين جميعا، مقيمين ومهجرين. وجاءت التشريعات الليبية التي انتجها النضال من أجل الاستقلال ملتزمة بهذه المساواة،. حيث أن الأصل جمعهم ووحد ما بينهم، والاصل هو كونهم جميعا ليبيين. كانت السياسة التشريعية تهدف الى لَمِّ شمل الليبيين في وطنهم والاعتراف بأن الظروف التي مرت بها البلاد قبل الاستقلال قد فرضت على كثيرين أن يهاجروا بأشخاصهم، لا بحبهم وولائهم. 

3.     إذن فإن التراث القانوني الليبي هو المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، دون أن يدخل في الحسبان أثر حيازته لجنسية اجنبية. ولعل السبب في ذلك هو القاعدة المستقرة في  القانون الدولي التي تقضي بأن الشخص يعتبر متمتعا بالحقوق المقررة للمواطنين في البلد الذي يوجد فيه اذا كان من رعايا دولة ذلك البلد، فالليبي الذي يحمل جنسية فرنسية مثلا الى جانب جنسيته الليبية يعتبر ليبيا في ليبيا من كافة الوجوه ولا دخل في ذلك لجنسيته الفرنسية، فهذه تكون عديمة الاثر وهو في ليبيا ويمتنع على فرنسا التدخل أو توفير الحماية مهما كان الأمر.

4.     القضايا الرئيسية التي يثيرها مشروع القانون تتعلق بما يلي: (1) حق الليبيين مزدوجي الجنسية  في الترشح لعضوية المؤتمر الوطني العام. (2)حق المتجنسين بالجنسية الليبية في المشاركة في العملية الانتخابية تصويتا وترشيحا . (3) حق المرأة في الترشح وهل يجوز تحديد عدد من المقاعد للمرأة. (4) الدوائر الانتخابية لتأمين نوع من التوازن في التمثيل بين مختلف التجمعات السكانية. زسنبحث هذه القضايا على انفراد استنادا الى قانون حقوق الانسان كما اقرته الاعلانات الصادرة عن الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية التي اعتمدتها والتي تعبر عن الرأي القانوني الدولي ، كما سنشير الى ممارسات الدول الديموقراطية في هذا الخصوص، لاسيما أن هذا العصر هو عصر حقوق الانسانن وفي مقدمتها الحقوق السياسية والمدنية، ويجب الحرص على تبوأ ليبيا الثورة مكانتها التي هي جديرة بها بتراثها وتضحيات أبنائها.
النصوص القانونية
أولا: الاعلان العالمي لحقوق الانسان لستة 1948
5.     تنص المادة 21 على ما يلي:
(1) لكل فرد الحق في الاشتراك في ادارة الشؤون العامة لبلاده، مباشرة وإما بواسطة مجلس يختارون اختيارا حرا.
(2) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
(3) إن ارادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة [الحكم] ، ويعبر عن هذه الارادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى فدم المساواة بين الجميع أو حسب أي اجراء مماثل يضمن حرية التصويت.
6. تنص المادة 13 (2) على ما يلي:
      "يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة اليه."
7.تنص المادة 30 على ما يلي:
"ليس في هذا الاعلان نص يُجَوِّزُ تأويله على أنه يٌخَوَّلُ لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف الى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه."
(ثانيا): العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لستة 1966: هذه ربما أهم اتفاقية دولية تتعلق بهذه الحقوق وقد انضم اليها 167 دولة حتى اكتوبر 2011 من بينها ليبيا، وبالتالي فإن ليبيا ملزمة باحترامها، مع العلم بأن الحقوق التي نصت عليها هي تقنين للحقوق المعترف بها في النظم الديموقراطية، وليست مستحدثة.
8. تنص المادة 12من العهد على ما يلي:
     "(2) لكل فرد حرية مغادرة أي بلد ، بما في ذلك بلده".
    "(4) لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول الى بلده".
9. لابد من الملاحظة أن الوثيقتين الرئيسيتين فيما يتعلق بحقوق الانسان، وهما الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تركزان على "بلد" الانسان لا على "جنسيته" حمايةً له في حق العودةالى بلد لا يملك حق رفضه، وبالتالي حماية لحقوقه كإنسان، وهي حقوق قد تكون أضعف في بلد جنسية غير جنسيته المترتبة له في وطنه كحق طبيعي لا يجوز النتقاص منه.
10. تنص المادة 25 على ما يلي:
"يكون لكل مواطن،دون أي وجه من وجوه التمييز المذكورة في المادة 2 ، الحقوق التالية التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة:
"(أ) أن يشارك في ادارة الشؤون العامة ، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يُختارون بحرية.
 (ب) أن يَنتخِب ويُنتخَب في انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري لضمان التعبير الحر عن ارادة الناخبين.
(ج) أن تتاح له ، على قدم المساواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده."

11. أما المادة 2 التي أشيرَ اليها في مطلع المادة 25  المذكورة أعلاه والتي حظرت التمييز بين المواطنين في الحقوقالمنصوص عليها في المادة 25، فإنها تنص على الآتي:
"تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه وبكفالة هذه الحقوق لجميعالافراد الموجودين في اقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي، سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الاسباب".
12. ويلاحظ فيما يتعلق بموضوع هذه المذكرة ان هذه المادة ألزمت الدول الاطراف بعدم التمييز بين المواطنين في ممارسة الحقوق المبينة فيه والتمتع بها مهما كانت الاسباب، وليبيا طرف فيها.غير أن المادة 4 (1) أجازت للدول تضييق هذه الحقوق في حالات اعلان الطوارئ اذا كانت حياة الامة مهددة وبشرط أن الا تتجاوز القيود المفروضة ما هو ضروري فعلا لدرء الخطر. وتنص هذه المادة على ما يلي: "في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الامة والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الاطراف في هذا العهد أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الاخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون و الجنس او اللغة او الدين او الاصل الاجتماعي".
13. وأفرد العهد نصا خاصا بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية بين الرجل والمراة حيث نصت المادة 3  على مايلي : "تتعهد الدول الاطراف ي هذا العهد بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد".
14. (ثالثا) الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية للمرأة لسنة 1953 : فصلت هذه الاتفاقية جانبا من جوانب الحقوق التي كفلتها المادة 3 من العهد الدولي سالف الذكر وكانت سابقة للعهد في اقرار تلك الحقوق.
(المادة الاولى): للنساء الأهلية في أن يَنْتَخِبْنَ لجميع الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام المنشأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال ، دون أي تمييز.
(المادة الثانية): للنساء الاهلية في أن يُنْتََخََبْنََ لجميع الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام المنشأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال ودون أي تمييز.
(المادة الثالثة): للنساء أهلية تقلد المناصب العامة وممارسة جميع الوظائف العامة المنأة بمقتضى التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون أي تمييز."
تطبيقات
15. من الواضح من النصوص القانونية الملزمة المشار اليها فيما تقدم:
(أولا) أن المواطنين جميعامتساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وأنه لا يجوز التمييز بينهم في ذلك لأي سبب من الاسباب.وهذه الحقوق هي تعبير عن الحق الاصلي وهو الحق في الاشتراك في الحياة العامة  إما مباشرة وإما عن طريق نواب يختارون في انتخابات حرة نزيهة. وخق الاشنراك هذا هو النتيجة الطبيعية والقانونية لمبدأ أساسي وهو أن الشعب هو مصدر السلطات وهو المباشر لها اصالة أو إنابة. وعليه فإن مشروع القانون يتمشى مع هذا من حيث أنه ضمن لجميع الليبيين، مقيمين وفي الخارج، حق التصويت لانتخاب ممثلين لهم في المجلس التاسيسي.
(ثانيا) لا يميز القانون في التمتع بحق الترشح، بين مواطن ومواطن انطلاقا من الحق الأصيل وهو حق المواطن في المشاركة في ادارة شؤون بلاده مباشرة أو عن طريق انتخاب ممثل ينوب عنه في انتخابات دورية عامة نزيهة.  ولا يؤثر في ذلك كون المواطن يحمل أيضا جنسية دولة أخرى مع الجنسية الليبية  ما دام لم يتنازل مختارا عن هذه الجنسية . ولا يجوز مطلقا الافتراض بأن المواطن قد تخلى عن انتمائه وولائه وحقوقه في وطنه بمجرد اكتسابه جنسية أخرى، خاصة اذا كانت ظروف بلاده هي التي أجبرته على اكتساب جنسية أخرى. ومن المقرر في القانون أن المواطن لا يملك قانونا الاستناد على جنسيته الاجنبية وهو في بلده، حيث أنه في هذه الحالة يكون في وطنه مواطنا يتمتع بكل الحقوق وعليه جميع الواجبات. وبناء على هذا فإن النص الذي يحظر على المواطن الذي اكتسب جنسية أخرى الترشح لانتخابات المجلس ما لم يتنازل مسبقا عن الجنسية الاخرى مشكوك على الأقل في شرعيته، ونحن نميل الى أنه مطعون فيه بهذا الحرمان على اطلاقه على الوجه الوارد في النص. يجوز مثلا أن يشترط أن يكون له محل اقامة في البلد، أما أن يحرم عليه ممارسة حق الترشح مطلقا فإنه يتعارض مع الحقوق السياسية والمدنية التي يرتبها القانون للمواطن. ونضيف أن ظاهرة ازدواج الجنسية أصبحت شائعة اعترفت بها وأقرتها دول كثيرة، بما فيها دول عربية، ولا تشترط هذه الدول التنازل عن الجنسية الاصلية. صحيح أن بعض الدول العربية تقيد الحقوقن ولكن هذه الدول ليست هي التي بقتدى بها في موضوع حقوق الانسان.
(ثالثا) لا تميز قوانين حقوق الانسان بين المواطنين في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية فتجعل منهم مواطنين درجة أولى واخرين درجة ثانية، وما هو معمول به في بعض الاقطار العربية من تمييز هو واحد من المخالفات لحقوق الانسان الشائعة في الوطن العربي وللأسف الشديد. ولذا فإن القيود المقروضة على من اكتسبوا الجنسية الليبية بالتجنس  تتعارض مع قانون الانسان، اذ المفروض أن الدولة تكون قد تحققت من أهلية طالب التجنس واقتنعت بأنه أهل ليكون مواطنا. القوانين، حتى في الدول الديموقرطية العريقة، تجيز سحب الجنسية من المتجنس في حالات محددة عقابا له، كأن يكون قد قدم بيانات كاذبة أو تعمد اخفاء بيانات مهمة عند طلب الجنسية أو ارتكب خيانة عظمى بعد اكتسابها، ولكن هذه القوانين لا تقر أبدا التمييز بينه وبين غيره من المواطنين لا لسبب الا لأنه اكتسبها بالتجنس.  وما دام أن الجنسية لم تسحب فإن المتجنسيعتبر مواطنا صالحا وله الحق الكامل في أن يتمتع بجميع حقوق غيره من المواطنين وأن يخضع لما عليهم من التزامات. ونلاحظ أن المادة 3 من مشروع القانون اشترطت مرور عشر سنوات على التجنس ليكون للمتجنس الحق في التصويت، ويبدو أن المادة 16(1) قد حرمته من حق الترشح حرمانا مطلقا. هذه سوابق تشريعية يجدر بثورة قامت للتخلص من الاستبداد وارساء قواعد الحرية والكرامة والعدالة أن تكون بعيدة عنها وأن تقتدي بالدول الديموقراطية التي تحترم الانسان وحقوقه وكرامته..واذا تبين أن أحدا من هؤلاء قد ارتكب فعلا من الافعال المنصوص عليها في الفقرات 7 - 20 من المادة 16 من مشروع القانون فانه يستبعد من الترشح وفقا لاحكام هذه المادة، للاسباب الواردة فيها، وهي أسباب معقولة وفقا للمادة 25 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المشار اليها في الفقرة 10 أعلاه.
(رابعا) قوانين حقوق الانسان، بما في ذلك الحقوق المدنية والسياسية، تساوي بين الرجل والمرأة وتمنحهما نفس الحقوق. ومشروع القانون ساوى بين الاثنين فيما يتعلق بحق التصويت، أما الحق في عضوية المجلس  فقد تجنب مشروع القانون النص صراحة على حق المراة في الترشح على قدم المساواة مع الرجل، كما تقتضي ذلك المواثيق الدولية في هذا الشأن. غير أنه من الواضح أن المشرع أراد أن يكون للمرأة دورها فنص على تخصيص 10% من المقاعد للنساء (المادة 1). هذا نص يشوبه الغموض، إذ الأصل، وفقا لقانون حقوق الانسان، ترك الباب مفتوحا للترشح ويكون العدد هو ما تؤدي اليه نتيجة العملية الانتخابية. ولكن يبدو أن الهدف من النص هو ضمان هذه النسبة للنساء، وهذا جائز في قانون حقوق الانسان ويسمى "التمييز الايجابي" الذي يهدف الى تأمين حقوق معينة لمن حرموا منها أو يُخشى حرمانهم منها، بشرط أن تكون هذه النسبة المنصوص عليها هي الحد الادنى، فاذا جاءت العملية الانتخابية بنسبة أكبر فإن نتيجة العملية الانتخابية تعتمد، أما إذا جاءت النسبة أقل فإنها تزاد للوصول الى النسبة المحددة. ولم يبين مشروع القانون الطريقة التي تتبع لتحقيق ذلك. ويبدو أن الطريقة هي التعيين، ولكن مشروع القانون لم ينص على ذلك ولم يحدد الجهة التي تتولى التعيين، ولذا وجب اعادة النظر في صياغة هذا الحكم.. 
(خامسا) لقد اعترضنا فيما سبق على بعض النصوص لسبب جوهري وهو أنها تمس التمتع بأصل الحق  وتنفي ممارسته ممن له الحق فيه في حالات لا يقرها القانون. وهذا وضع يحسن تجنبه، لآنه على الأقل مشكوك في سلامته. ومنعا للبس فاننا نؤكد أن القانون لم يحظر فرض شروط على ممارسة أي من الحقوق المدنية والسياسية بشرط ألا ثؤدي هذه الشروط الى المساس بالحق ذاته. فمثلا يجوز أن يشترط القانون على الناخب أن يكون مسجلا في سجل الناخبين أو أن يكون المرشح مقيما في البلا.د، أو أنيكون قد بلغ سنا معينة أو لم يرتكب جريمة من الجرائم المخلة بالشرف أو الأمانة. وفي فقه الثورات يجوز أن تقيد حقوق البعض لفترة زمنية أو لمناسبة من المناسبات حرصا على تحقيق أهداف الثورة، وعليه فلا اعتراض على الفقرات 7 – 20 من المادة 16 من مشروع القانون. ويلاحظ أن هؤلاء حرموا من حق الترشح فقط دون المساس بحقهم (أو بحق غيرهم ممن ورد ذكرهم في هذه المادة)  في التصويت. وحسنا فعل المشرع إذ اعتبر هذا القانون قانونا خاصا لمواجهة ظرف خاص  بما نص عليه في المادة 57.
الدوائر الانتخابية
16؟ نصت المادة 15 من مشروع القانون على تقسيم البلاد لدوائر انتخابية يراعى فيها نسبة عدد السكان والرقعة الجغرافية وترك الامر لقرار من المفوضية العليا للانتخابات. ويبدو أن المتوقع هو اعتماد النظام التقليدي في تقسيم الدوائر، وهذا قد لا يتناسب مع طبيعة توزيع السكان في ليبيا. ولذا فإنني أقنرح النظر في  بديل قد يكوت أنسب تعتمده بعض الدول، وهو اعتبار البلاد كلها دائرة انتخابية واحدة يمثلها العدد المقرر من النواب وهو 200 في مشروع القانون ويجري انتخابهم جميعا من قبل كل الناخبين فيكون الناجحون ممثلين لجميع السكان وفقا لانتخابات شارك فيها الجميع وحريصين على الفوز بثقة المواطنين جميعا. وهذا يعني وجود سجل عام للناخبين يوزع على مراكز اقتراع وليس دوائر انتخابية. ويوزع الناخبون على مراكز الاقتراع، وتكون قوائم المرشحين في كل مركز من المراكز ليختار الناخب من بينهم من يشاء بالعدد المقرر وهو 200. وهذا النظام يناسب الدول القليلة عدد السكان والناخبين، كما هو الحال في ليبيا، وهو مطبق مثلا في هولندا واسرائيل وفلسطين، واعتقد أنه يناسب الاوضاع في ليبيا، ولعله من المفيد الاتصال بالحكومة الهولندية أو المفوضية الفلسطينية المستقلة للانتخابات للاستفادة  من خبراتهما العملية في هذا الشأن.
د. أنيس مصطفى القاسم
أحد القانونيين الذين صاغوا قانون البترول إبان حكومة مصطفى بن حليم
20 يناير 2012م




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق