الأحد، 21 أغسطس، 2011

سؤال إلى كل الليبيين


سؤال إلى كل الليبيين :
لماذا لا يبقى حتى تأكل دابة الأرض منسأته ؟
ليس فينا من ينكر هذه السابقة في تاريخ الإنسانية ..و الأمر واقع قبلا وله ما يؤكده من السرد القرآني , إذن ...   أكان للناس عجبا إن تراءى لأحد منهم أن يبقى حاكما لما يشاء ,بل ويتعدى حكمه العمر ,فيظل فيهم ميتا و العصا تسنده ردحا آخرا... إلى أن يأذن الله لمخلوق ينخر تلك العصا حتى يخر هاويا ,ولماذا لم نفهم نحن هذا المدلول كما يراه هو ؟  أتراه قصورا في فهمنا بما يؤكد عدم استيعابنا لما يتـّقد به ذكاؤه المتميز به عن بقية البشر .. وكيف لأي من البشر أن يساويه ..  وهو المتفرد فينا  بكل ما فيه ! ؟ بل لماذا لا نبدأ العويل وشق الجيوب من الآن .. لأنه  إذا  أخذه الأجل في أزمان لاحقة - لن نحضرها بالطبع -   فمن ذا الذي سيبقى لبلادنا وأجيالنا المستقبلية .. وهو المعلم والقائد  والملهم الوحيد, وكيف نضمن أن يجود عليهم الزمان بمثله ؟  ...
(   ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن  )صدق الله العظيم
-------------------- 
يقول أبو العتاهية شاعر الزهد والحكمة:
     ولله في الدنيا أعاجيب   جمّة         تدل  على  تدبيــره  وبدائـــــع
     ولله  أحكام  القضـاء   بعلمـه         ألا  فهو مـُعـط ٍ ما يشاء ومانـع
    ومن عقلَ استحيا وأكرم نفسه        ومن قنع استغنى فهل أنت قانع؟
     لكل امرئ رأيان.. رأى يكفـّه        عن الشيء  أحيانا ورأى ينازع
سبحان الذي أودع في كل قلب ما أشغله ...فالإنسان ما انفكّ بما في نفسه لاهيا , وبما يتراءى له بحسب محدودية فكره-التي لا يدركها- مقتنعا , بل ويرى في تمادى انقياده للنفس أن لا أحد يساويه ولا ندا يضاهيه , بل يجب أن لا  يدع مخالفا له  فيبقيه , وعلام يبقى الخارجون عن طوع الملهم ,والمفكر, والمعلم .. الذي لا يجد حرجا في قوله جهارا وعلى رؤوس الأشهاد بأن  :((  الشعب الذي لا يحبني لا يستحق الحياة  )) !!!.فما دام الأمر مقترنا باستحقاق الحياة وجودا , فإن هذا الوجود سيمتد ليشمل حياتي وحياتك وحياة الآخرين .. بما يعنى أن أعمار هؤلاء مجتمعة في كلياتها , تؤهله للبقاء حينا يفوق أعمارنا نحن في جزئياتها .. دققوا أيها الليبيون في الكلام جيدا..  لأن مشكلتنا أننا لا نفهم تفاسير الإلهام .. أليس القول صادرا عن معلم  ملهَم ؟  إذ لم يحصر هذا القول   عدم استحقاق من لا يحبه  في حرمانه مثلا من خيرات بلاده,أومن مميزات معيشية له فيها ,أو من مركز اجتماعي مرموق ,أو ربط معاش تقاعدي مريح في سن الشيخوخة ... لا ,, فالأمر أكبر وأهم وأعم من ذلك .. إنه عدم استحقاق الحياة أصلا   , إنه العمر الحياتي كاملا .. وهذا في نظره ما يعطيه حق البقاء فينا ومن بعدنا ,حتى يأمر الله دابة من الأرض أخرى  تظهر في زمن غير زماننا لتأكل منسأته فيخرّ منتهيا  ,وينتهي الأمر في ظرف آخر ,وفي توقيت لا يدركه ولا يطاله صدى أصوات هتاف شبابنا المنادين اليوم:(الشعب يريد إسقاط النظام) !!..
ألم يقل هيرودوت : من ليبيا يأتي الجديد ؟!  فلماذا نستبعد أن يمتد خيال أحدنا ليتصور أن تتكرر  فيه إرادة إلهية  مشابهة للواقعة السليمانية , فهل لديكم أيها المتعجبون  قانونا يضع حدودا أو يرسم أفقا لخيال الناس ؟
في العقد الأخير من الألفية الماضية , خطرت لبعض ( الحواريين ) فكرة استجلاب عينات من أحجار المرمر التي تقاوم عوامل الطبيعة لتكتب عليها عبارات من الكتاب الأخضر وأطروحات النظرية العالمية الثالثة .. ثم يتم رميها في رمال الصحراء , لتبقى مع الزمن حفريات للأجيال القادمة لتطلع على ما يفيدها وينير طريقها من حلول ناجعة لكافة مشاكلها الإنسانية , هذا الطرح الذي فشل أهل هذا الزمن في أن يستوعبوه ,إذ عند ذاك سيكون في الأرض من المحبين  من يستحق الحياة غيرنا .
عندما جلست منصتا ومحللا لما تفوه به ( سيف ) منفعلا غداة  الثورة , ولا أدرى لماذا شدني التشنج الواضح من خلال إصبع سبابة يده اليسرى :  مقررا , ومؤكدا , ومهددا , ومنذرا بأن  لا مال ولا بترول  ولا مشاريع في البلاد  ستكون من حقنا بعد اليوم مادمنا قد شقينا عصا الطاعة . ( مع رجاء أن تقدر المؤتمرات  الشعبية ( التي تقرر ) طبيعة الظروف فلا تؤاخذ الرجل  بعدم طرح الموضوع عليها مسبقا ليصدر قرار الحرمان هذا من عندها وليس منه كي لا يشوه التجربة الديموقراطية الشعبية ) .
وبالرغم من كل ما قيل وما لوحظ على أدوات الحكم في العالم العربي , جمهوري أو ملكي أو سلطني من تجاوزات , فإنه-للحق والإنصاف-  لم يسبق أن سُمح لأي من أبناء الحكام بأن يتطاول مخاطبا جماهير الأمة مباشرة ومن خلال وسائل  إعلام الدولة الرسمية متجاوزا كل سلطاتها التشريعية والقضائية  والتنفيذية وكل مؤسسات المجتمع  وأطيافه مهددا ومتوعدا , دونما حق دستوري أو من خلال صلاحيات منصب رسمي في الدولة , وإنما لمجرد أنه ابن الزعيم ..(إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم  ببالغيه)..فالخلاصة عند (سيف ) :إما أن تترى عليكم السنون تحت حكمنا حتى ولو بعد اثنتين وأربعين سنة, أو سيقع بكم هذا العقاب . هكذا الأمر .. ( تبّى والا ما تبـِّيش ) ! .. وهذا للأسف هو شأننا دائما عندما تتأزم الأمور ترتكب الأخطاء.
كان خالد بن الوليد رضي الله عنه  الحامل للقبه العسكري ( سيف الله المسلول )من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم , قد امتثل بفضيلة  ولاء المسلم , وبمهنية العسكري الشريف إلى أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثناء معركة اليرموك بتسليم القيادة إلى أبى عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قانعا وراضيا , بل وأبلى في المعركة  بعد ذلك بما أهـّل المسلمين للنصر المؤزر.
قاد رئيس وزراء  بريطانيا الأسبق السير ونستون تشرشل بلاده في عنفوان طغيان الدكتاتور النازي هتلر الذي سخر لإخضاع  بريطانيا أشد وأقسى ما يملك من العدة العسكرية الهائلة ( طوقت الغواصات الألمانية الجزر البريطانية بحريا وفوقها أفواج من أسراب الطائرات الحربية في حصار محكم على مدار الساعة لمدة ستة أشهر لمنع وصول الغذاء والإمداد إليها )الأمر الذي جعل البريطانيين يرسلون أطفالهم بعيدا إلى المناطق النائية ضمانا لبقاء العرق البريطاني بعد هلاكهم , فبقيت بريطانيا بقيادة تشرشل عصية على هتلر ونازيته حتى إتمام النصر للحلفاء... ورغم ذلك فإن تشرشل لما تقدم غداة النصر مرشحا نفسه مرة أخرى لرئاسة الوزارة بعد انتهاء الحرب لم ينتخبه البريطانيون ! ليس لكره في شخصه أو جحود لجهده الفذ البطولي في قيادة البلاد وقت أزمتها , وإنما لتقدير الشعب البريطاني أن تشرشل كان رجل الساعة وقت الحرب ومنقذها , لكن البلاد الآن في حاجة إلى إدارة ذات تخصص من نوع آخر يختلف عما كان عليه وقت الحرب و ليس هو الذي يناسبه !!!
{ مما هو جدير بالذكر, أنه لما كانت بلاده في أسوأ أزماتها من جراء الحصار الخانق الذي سبق ذكره, لم يتخل ّ تشرشل ولم يسمح للديمقراطية أن تـُمسّ حتى في أحلك الظروف ..فقد تصادف أن كانت إحدى القواعد الجوية تباشر نشاطها العسكري بالقرب من إحدى المحاكم المدنية الأمر الذي يسبب ضجيجا يعرقل سير مداولات المحكمة , فصدر بناءا على ذلك أمر قضائي بإيقاف الحركة أو نقل تلك القاعدة بعيدا عن المحكمة.. ورُفع الحكم للمسئولين عن العدالة في الدولة , وبدورهم أحالوه لوزارة الحرب القائمة للتنفيذ.. وهذه بدورها  استطلعت رأى رئيس الحكومة للفتوى في أمر جلل , إذ كيف يمكن تنفيذ الحكم  ليتم إيقاف نشاط قاعدة جوية أو نقلها في حالة الحرب ؟.. فاطلع تشرشل على المستندات .. وكتب توجيها لوزيره قائلا: أن يقال مستقبلا أن خسارة الحرب كانت بسبب تنفيذ أمر العدالة ,خير من أن نفوز فيها وقد ألغينا حكم القاضي !! }   أفي هذا عبرة لمن كان له قلب من مسئولينا ؟.

عندما سقطت فرنسا بالكامل في يد القوات النازية , شكل الجنرال شارل ديجول جيش التحرير في المهجر, وقاد البلاد مع الحلفاء حتى النصر , واعتبره الفرنسيون الأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة وانتخب كأول رئيس لها , وعندما أراد أن يجرى إصلاحات في مجلس النواب وبعض الإصلاحات التشريعية والاقتصادية الأخرى في الدولة , وبالرغم من أن الأمر متفق مع نص الدستور إلا أنه قد كثر الكلام وتعددت وجهات النظر فأراد أن يحسم الأمر باستفتاء عام بدأ يوم 27/4/1969, وأعلن ديجول أنه إن لم تأت النتيجة بقبول الأكثرية فسيستقيل من منصبه .. وفي اليوم التالي 28/4 ظهرت النتائج بنسبة :  52.4 % رافضون     47.6%  موافقون أي بفارق سلبي  4.8% من أصوات الشعب الفرنسي .. وبعد ربع ساعة , وهناك من قال عشرة دقائق فقط من ظهور النتيجة بعد منتصف  ليلة 28/4 أعلن شارل ديجول -  باعث فرنسا الحرة ومؤسس جمهوريتها الخامسة  -بيانا من سطر واحد  قال فيه:
( أعلن توقفي عن ممارسة مهام رئيس الجمهورية الفرنسية..ويعتبر هذا القرار نافذا اعتبارا من ظهر اليوم 29/4/1969 ). وانسحب باعث فرنسا الحرة إلى بلدته كولومبي دى دوزغليز, في هدوء ومن دون أن يفكر فيتوريث الحكم لأحد ! وعندما توفي في السنة الثانية وجد الفرنسيون وصيته تنص على :
ألا يحضر جنازته رؤساء  ولا وزراء  ولا  سياسيون.
لا يكتب على قبره إلا  عبارة :( شارل ديجول  1890-   تاريخ الوفاة )
ونحن اليوم كعرب , وبالرغم من حساسيتنا التاريخية لما قام به تجاه شعبنا العربي في الجزائر , لكننا لا نبخس حق رجل مثله ينحني احتراما لرغبة أمة هو باعثها مما كانت فيه من مهانة .. عندما قالت له  لا ..حتى ولو كان  بنسبة فارق بسيط  لم  يزد عن  4.8% .  وهذا هو الفرق بيننا وبينهم ...     ( فهم يهمهم ألا تقع الأخطاء عندما تتأزم الأمور  )

أما في بلادنا فإما  أن يستمر حاكمنا وورثته من بعده كيفما أرادوا  وإما الهلاك والثبور..   فبالإضافة لما هدد وتوعد به ( سيف )في الأسبوع الأول للثورة , فقد جاء كلام أبيه المعلن منه مباشرة يوم 17/3/2011 متوعدا سكان بنغازي والمناطق الثائرة بعدما أرسل إليها جحافل القوات الهائلة  بكل أنواعها  الثقيلة زاحفة  وطائرة  وعائمة ...  وخاطب الناس قائلا: [ على المعنيين أن يخرجوا ويهربوا من المنطقة .. فها قد جاءكم ( المعتصم ) زاحفا بقوة ستسحق المتمردين وستبحث عنهم تحت كل( حيطة  ... خلاص .. بوزيد يا طالباته , اليوم ما عادش فيها , هذا يومكم ] !!! , فعند التمحيص في التصريحات الانفعالية للابن وأبية , وكما يقولون  فإن غش القلوب يظهر في فلتات الألسن .. يتضح جليا أن تفجير الأمر بهذه الصيغة كان مخزونا مسبقا في العقل الباطن للمتحدث , مثل قنبلة موقوتة في انتظار سبب ما لإطلاقها .. والأهم من كل ذلك , والذي يجب أن يدحض الحجة التي يتلاعب بها أبواق النظام وأزلام إعلامه و التي شككت الكثيرين وجعلت لديهم ترددا واضحا في مواقفهم تجاه ثورة الخلاص , وهى حجة استجلاب حلف النيتو الأجنبي للبلاد , فإن التهديدين المذكورين من الابن وأبيه كانا قبل مباشرة أية نشاط للطلعات الجوية للنيتو , بمعنى أن نية القضاء والتدمير كانت مبيتة, سواء النيتو أو بدونه , أما سمعتم تصريح ( سيف ) يومها قائلا : خلاص .. لقد فات الأوان ظنا منه أن القوات التي أرسلوها ستقضى على الناس قريبا وانتهى الأمر. ولقد بدأت فعلا في مدينة اجدابيا حسب ما رأيناه من قتل للناس وتهجير للسكان واغتصاب للنساء ,قبل ضربة القوات الفرنسية بخمسة أيام, وكل هذا ثابت مستنديا وموثق لدى محكمة الجنايات الدولية .. وقائعا وتواريخا وليس مجرد ادعاء دونما إثبات . بل  وربما  لولا  (  ولله جنود السموات والأرض )التي  سخرها الله فبأي شكل أو مسمى كان ( النيتو أو طير أبابيل ) لكانت تلك المناطق من ليبيا وما بعدها ومن كان يسكنها كلها في خبر كان...  انظروا عنف رد الفعل الحارق الماحق للمواطنين في مصراتة واستخراج جثث شهداء الزاوية وحرق زوارة  والدمار والتنكيل بأهل الجبل الغربي وما جاوره من مدن وقرى.
عانى الشعب الليبي ولا يزال من الفقر والبؤس والمرض وسوء التغذية , حجبت عنه أمواله وصرفت في المهالك والمعاصي , وتمكن السفهاء من أموالهم التي جعلها الله لهم قياما ,وآخر ما ظهر من أوجه صرفها في الأحداث الجارية , أنه بالإضافة إلى تبديدها في السوق السوداء لاستجلاب المرتزقة وشراء السلاح حتى من عملاء إسرائيل , فقد سخرت أموال أخرى من نعمة الله التي منّ الله بها علينا بأمر أولياء الأمر  لشراء الخمور والمنشطات الجنسية الآثمة لتستعمل لسلب شرف بناتنا وحرائرنا باستحيائهن بما جلبته أموالنا .. فحسبنا الله ونعم الوكيل  ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ) صدق الله العظيم .
قرأت مرة أبيات شعر لنزار قباني واصفا حال الدول العربية والإسلامية , ورغم الفارق الزمني بين ذاك الوقت واليوم,لكنني أرى أن ما جرى على لسانه حينذاك فيه ما يصف حال بلادنا وما يجرى فيها  الآن .. يقول في نظمه :

الذ ّل  خيـّم  فالنفوس   كئيبة     وعلى الكبار تطاول الأقزام
الحزن أصبح خبزنا, فمساءنا     شجن وطعم صباحنا أسقام
واليأس  ألقى  ظله  بنفوسنا     فكأن  وجه  النـّيرين  ظلام

 فيا أولى الأمر ..أنتم وأبناؤكم و من تبعكم -  ممن استخفـّيتموهم  فأطاعوكم -أتريدوننا محكومين لكم وموالين بسلطة القهر ؟.. أتلزمونها ونحن لها كارهون ؟.. أوليس منكم أو معكم  أو حتى  ينصحكم  رجل رشيد ؟!!  تذكروا , وهذا من باب النصح وليس من قبيل التهديد .. تذكروا أن دعاء المظلوم – مظلوم واحد -  ليس بينه وبين الله حجاب.  فكم من يتيم وأرملة وثكلى تظنوا أنهم قد رفعوا أيديهم .. فلا أحد يدعى أن يحصى ذنبا على أحد وإنما سيظهر ذلك عند إلزام   الطائر في العنق  ,ويخرج  الكتاب منشورا.

قال تعالى:أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة  وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا .صدق الله العظيم.

بقلم :  محمد عبد الله  حنيش
       ------------------- 




هناك تعليق واحد:

  1. مقالة رائعة لاجابة علي سؤال قصير..بارك الله في كاتبها وجزاه عنا كل خير

    ردحذف