السبت، 13 أغسطس، 2011

محمد مفتاح القعود: هذا العهد ينبغي أن يكون مختلفا عن عهد القذّافي....




إن الثورة- أي ثورة – يفترض أن تشكل منعطفا يختلف عما قبلها وتغييرا محسوسا للعامة قبل النخبة كما يفترض أن يكون هذا التغيير للأفضل، فلطالما كانت عقدة الثوّار بعد تدمير حصون عهد سابق هي العجز عن بناء بنية جديدة تدفع بالمجتمع إلى الأمام وتحقق له الأمان والرخاء الاقتصادي وآماله في التنمية وتضمن الحريات إلى درجة معقولة وتبتعد عن الفوضى والفراغ الأمني والسياسي والتخلّص من التحزبات المقيتة قبلية كانت أو جهوية أو طائفية أو فكرية.
بعض المراقبين لاحظ توجهّا في الرأي العام الشبابي خصوصا سواء على مستوى النقاشات الفردية أو على صفحات التواصل الإجتماعي على الانترنت، وهو الاعتقاد بكمال ثورة 17 فبراير وعدم حاجتها للإستفادة من دروس وعبر ثورات سابقة وإننى وإذ أوافق هذا التوجه في نواح عدّة منها ان ثورتنا سابقة في شجاعتها وعفويتها ومواجهتها لآلة القمع القذّافية بصدور عارية وبإمكانيات ضعيفة زادها الإيمان بالله وبحقنا في الحياة عنفوانا وقوة، إلا أنني أتحفظ على أن نقع أسرى هذا التفكير فهو لن يؤدي بنا إلا إلى مرحلة من الانغلاق الفكري والسياسي قد تحملنا إلى مرحلة من الاعتزاز غير المبرّر بالنفس يمنعنا من السماع والاستفادة ونقل الرأي والخبرة من أمم  أخرى وثورات غيرنا.

أحادية الفكر أيضا تسلّلت إلى عدد كبير من هذه النقاشات حيث يتواجد توجّه نحو فرض رأي بإتجاه واحد، يقضي بتخوين وتسفيه أي رأي  يحاول الحديث  عن قضايا الساعة مثل  ضرورة التفرقة بين الحرية والفوضى ، أو الحديث عن الأمن الشخصي والإقتصادي وإن اتجه اصحاب هذا الرأي لا شعوريا الى المقارنة بين عهدين حتّى ولو لم يصرّحوا بهذا الرأي، وهذه المقارنة برأيي هي من طبيعة الأشياء وتعكس في مجملها كراهية حقيقية لعهد القذافي ورغبة حقيقية في عدم العودة إليه وبطريقة المقارنة، بعكس ما يفسّرها بعض المتعصبّين بأنها حنين لأيامه ،لا نستطيع لوم من يقدم عليها ناهيك عن تخوينه أو تسفيه رؤيته .
ولكي لا نتحوّل من واقع سياسي ومجتمعيّ  مدجّن وأحادي الفكرة والتوجه في عهد القذّافي، إلى واقع سياسي مأزوم ومختنق يلزمك فيه اعتناق فكرة واحدة وعلى طول الخط كما يبدو من مشارفه، يلزمنا مزيد من التفهّم والتروّي في فهم الآخر ، فربّما لا يكون المناظر لي –آخرا- ربما هو منّا ولكنه لم يجد الطرح أو يحسن التعبير، إن الانتقائية في تناول العبارات ومحاولة تفسير بعضها بصورة مجتزأة عن الحوار أو الفكرة ككل لن تأتي لنا بعهد جديد نرنوا فيه إلى حريّة الفكر والرأي مادام لا ينطلق من منطلق إلحادي أو مناف للخلق والدين.
إن دور الثوّار في المدن المحرّرة ونخبهم الإعلامية والسياسية والمثقّفة هو دور تاريخي ومفصلي ينبغي أن يقوم الكل فيه بدوره المنوط به بما أن هذه الثورة من الشارع والأزقة والحواري والبيوت وبتأييد شعبي نخبوي  وزخم جماعي كبير أملا في مستقبل أفضل وعهد جديد لا ينم لعهد القذّافي بصلة على الاطلاق وبإجماع قلّما يحصل بيننا في أي قضية أخرى.
هذا الإجماع ينبغي ألا يفقد نتيجة التعصب أو ضيق الأفق وقلة سداد الرأي من بعضنا ، ينبغي ألا نسمح بعودة البعض إلى المنطقة الرمادية بين عهدين، هؤلاء البعض والذين وان قاموا بواجبهم تجاه الثورة والوطن إلا أن النفوس تفتر نتيجة طول المدة وفقد الأعزّاء وضبابية رؤيتهم للمستقبل وسط تخبّط سياسي و سوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن اقتصاد الحرب وقلة السيولة وتقطّع سبل العائلات وبعضها بين المدن المحررة والمحاصرة.
هي مسئولية تاريخية جمّة لا تقل في أهميتها عن الدور الإعلامي او السياسي للدوائر الرسمية أو المدنية ، تفرض علينا تحرّي الدقة والتفهّم في النقاش والعمل فكل ما ينطق به النخبة أو يقومون به ينبغي أن يشكّل بشائرا لعهد جديد لا أن نلقي في روع المستمع أو المناقش أنه أسقط القذافي واستبدله بآلاف غيره وأنه أحرق فروع الأمن الداخلي القمعي واستبدلها بهيئات أخرى-وإن كانت على مستوى الشخوص- لا تقل سوءا عنه تفرض وتجيز رأيا واحدا وتخوّن ماعداه .
ثورتنا أريد لها أن تكون منصورة بإذن الله ،تغيّر النفوس قبل النظام وتغيّر الفكر الأحادي  المقيت قبل اسقاط منظّره السفّاح، لا نريد أن يشعر الناس بوصاية أي كان عليهم وعلى أفكارهم، كما لا نريد لهم أن يشعروا أنهم فقدوا آلافا من أهلهم لمجرد تغيير لون العلم فقط لا غير.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق