53 مليون دينار و12.8 مليون دولار و5 ملايين يورو.. قصة عملية سطو فتحت ملف المسؤولية الأمنية والسياسية والقضائية في ليبيا
في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2013، كانت مدينة سرت على موعد مع واحدة من أكبر عمليات السطو التي استهدفت أموال مصرف ليبيا المركزي.
شحنة نقدية ضخمة وصلت من طرابلس إلى مطار سرت، قبل أن تتعرض الشاحنة التي كانت تنقلها إلى فرع المصرف المركزي لهجوم مسلح عند مفترق طريق الغربيات.
بلغت قيمة الشحنة 53 مليون دينار ليبي، إضافة إلى 12.8 مليون دولار أمريكي و5 ملايين يورو. وبعد سنوات من الواقعة، تحولت القضية إلى ملف تتداخل فيه روايات التحقيقات، وشهادات مسؤولين كانوا في قلب الأحداث، واتهامات متبادلة بين المصرف المركزي والحكومة آنذاك، قبل أن تصل القضية إلى القضاء وتصدر أحكام بإدانة شخصين على الأقل.
لكن السؤال الذي بقي حاضرًا طوال سنوات هو:
كيف تمكن مسلحون من معرفة موعد الشحنة وقيمتها؟ ولماذا لم تتمكن القوة المكلفة بحمايتها من منع الاستيلاء عليها؟ وماذا حدث للأموال بعد العثور على مكان وجودها؟
من طرابلس إلى سرت.. شحنة ضخمة في رحلة قصيرة
وفق الرواية التي ظهرت في التحقيق الاستقصائي الذي تناول القضية، وصلت الطائرة إلى مطار سرت، ونقلت صناديق الأموال إلى شاحنة كانت مخصصة لنقلها إلى فرع المصرف المركزي.
وكانت هناك قوة أمنية مكلفة بحماية الشحنة، فيما كان موظفو المصرف يتابعون عملية التسليم.
مدير فرع مصرف ليبيا المركزي في سرت قال في محضر الاستدلالات إن إدارة المصرف في طرابلس أبلغته بالموافقة على المبلغ، وإنه تواصل مع آمر الكتيبة بشأن ترتيبات الحماية، قبل توجهه إلى المطار.
وكان يفترض أن تكون الرحلة من المطار إلى المصرف إجراءً أمنيًا قصيرًا، لكنها تحولت إلى عملية سطو مسلح غيرت مسار القضية.
كمين عند مفترق الغربيات
بعد مغادرة الشحنة المطار بنحو ربع ساعة، اعترضها مسلحون عند الطريق.
سائق الشاحنة أحمد أبو خريس وصف في شهادته وجود سيارات مظللة إلى جانب الطريق، قبل أن يعترضه مسلح ويجبره على ترك الشاحنة. وقال إنه اقتيد بعد ذلك لفترة في سيارة إلى طريق ترابي قبل أن يطلق سراحه.
وبحسب مصادر صحفية نقلت عن وكالة «فرانس برس»، كان عدد المهاجمين نحو عشرة أشخاص مدججين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
لكن تفاصيل الهجوم نفسها سرعان ما أصبحت موضع شك.
هل وقع اشتباك فعلًا؟
أحد أفراد القوة الأمنية المكلفة بالحماية، عمران أبو خريس، تحدث عن تعرض المجموعة لإطلاق نار من جهتي الشرق والغرب، ومحاولة أفراد الحراسة الترجل من السيارات أثناء الهجوم.
لكن رواية السائق جاءت مختلفة؛ إذ لم يتحدث عن إطلاق نار.
والأكثر أهمية أن موظفي المصرف الموجودين في موقع الحادثة، بحسب التحقيق، لم يؤكدوا حدوث اشتباك أو إطلاق نار بين قوة الحماية والمهاجمين.
ثم جاءت عملية فحص سيارة الحراسة لتضيف علامة استفهام أخرى، إذ أفاد التحقيق بعدم العثور على آثار رصاص أو ما يدل على تعرضها لإطلاق نار، وهو ما تعارض مع رواية أحد أفراد القوة.
ومن هنا بدأ التحقيق يتجاوز سؤال «من نفذ السرقة؟» إلى سؤال أكثر حساسية:
هل كانت هناك مشاركة أو تواطؤ من داخل القوة المكلفة بحماية الأموال؟
المعلومة السرية.. من أين عرف الجناة؟
من أكثر حلقات القضية أهمية مسألة معرفة الجناة بموعد وصول الأموال وقيمتها.
وبحسب الرواية التي عرضها التحقيق، وصلت معلومة إلى موظف في فرع المصرف بسرت، هو عادل الصغير، بشأن وصول طائرة محملة بمبلغ كبير من الأموال.
وتشير الرواية إلى أن المعلومة انتقلت إلى عمار صيد وخالد العماري، قبل أن يجري التخطيط للعملية.
وكان المصرف قد طلب، وفق الإجراءات المتبعة، قوة لحماية الشحنة من المطار إلى الفرع.
أما التحقيق، فيطرح رواية مفادها أن الخطة لم تكن في بدايتها قائمة على إشراك قوة الحماية، بل إن المخططين عدلوا خطتهم، وأصبح أفراد القوة جزءًا من العملية بدل استهدافهم بالقتل.
وهذه الرواية تحديدًا تحتاج إلى فصلها عن الوقائع التي ثبتت قضائيًا، لأنها جزء من سرد التحقيق وشهادات القضية، وليست حكمًا عامًا على كل أفراد القوة.
التحقيق يصل إلى مشتبه بهم
خلال اليوم الثاني من الواقعة، تمكن المحققون، بحسب المادة التي تناولت القضية، من الوصول إلى عدد من المشتبه بهم من خلال تتبع الاتصالات.
وذكرت المادة أسماء عمار صيد وخالد العماري وصالح حبة، كما أشارت إلى ارتباط إحدى السيارات المستخدمة في العملية بعائلة عمار صيد.
كما توصل المحققون، وفق الرواية نفسها، إلى موقع قيل إن الأموال نقلت إليه في منطقة قصور الضيافة.
وهنا كان يفترض أن تنتقل القضية إلى مرحلة استعادة الأموال والقبض على المتورطين.
لكن ما حدث بعد ذلك أصبح أحد أكثر أجزاء الملف غموضًا.
محمد بوسدرة يدخل على خط القضية
في تلك المرحلة، دخل عضو المؤتمر الوطني العام آنذاك محمد بوسدرة على خط القضية.
وبحسب شهادته، استدعاه رئيس المؤتمر الوطني العام نوري بوسهمين، وأبلغه بأن أموالًا نقلت من طرابلس إلى سرت وتم الاستيلاء عليها، وأن أعضاء من سرت طلبوا حضوره معهم.
ويقول بوسدرة إنه لم يكن يعرف لماذا وقع الاختيار عليه تحديدًا، لكنه وافق على الذهاب إذا كان وجوده يمكن أن يساعد في استعادة الأموال وحل المشكلة.
وتوجه إلى سرت برفقة وكيل نيابة ومندوب عن وزارة الداخلية وأعضاء من المؤتمر، والتقى مسؤولين أمنيين وقضائيين وشخصيات من المدينة.
«الأموال عند تسعة أشخاص»
يقدم بوسدرة في شهادته تفصيلًا مهمًا عن تلك المرحلة.
فهو يقول إنهم أُبلغوا بأن الأموال أصبحت لدى مجموعة من تسعة أشخاص، وأن أهالي سرت لم يرغبوا في مهاجمة المجموعة خوفًا من تحول العملية إلى اقتتال داخل المدينة.
وبحسب روايته، كانت الاعتبارات الاجتماعية والقبلية حاضرة بقوة في التعامل مع القضية، وهو ما جعل خيار المداهمة العسكرية أكثر تعقيدًا.
وبدأت السلطات، وفق شهادته، في البحث عن طريقة لاستعادة الأموال دون إشعال مواجهة داخلية.
قوة من الرجبان لاستعادة الأموال
يقول بوسدرة إن الحل الذي جرى بحثه كان الاستعانة بقوة من خارج سرت.
ويتحدث عن قوة قوامها نحو 120 شخصًا من الرجبان، كان يفترض أن تصل إلى سرت لمحاصرة الموقع والتدخل لاستعادة الأموال.
ثم عاد بوسدرة إلى طرابلس، والتقى رئيس الوزراء آنذاك علي زيدان برفقة مفتاح شنبور.
وبحسب شهادته، طلب زيدان معرفة الاحتياجات اللازمة لتنفيذ العملية، فأعدت ورقة تضمنت تلك الاحتياجات، وتم تسليمها إلى رئيس الوزراء.
وهنا تبدأ واحدة من أهم نقاط الخلاف بين الروايات.
هل وصلت القوة أم رفضت القدوم؟
بحسب محمد بوسدرة، كانت الخطة تنتظر وصول القوة إلى سرت.
لكنهم تلقوا لاحقًا خبرًا بأن القوة رفضت القدوم، وأن الأموال تسربت، واختفى الأشخاص الذين كانت بحوزتهم.
بوسدرة يؤكد أن دوره انتهى عند تسليم الورقة إلى علي زيدان، وأنه لم يكن حاضرًا في المرحلة التالية، ولذلك لا يستطيع الجزم بما حدث بعد ذلك.
أما علي زيدان، فيقدم رواية مختلفة.
علي زيدان: الحكومة فعلت ما طلب منها
بعد إعادة فتح القضية إعلاميًا، رد رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان على الاتهامات التي حملت حكومته مسؤولية التقصير.
وقال إن نقل الأموال يخضع لترتيبات فنية وأمنية يقوم بها المصرف المركزي بالتنسيق مع الجهات الأمنية، وإن رئيس الحكومة لا يكون مطلعًا على التفاصيل الجزئية لكل عملية نقل.
وبحسب زيدان، وصلت الأموال إلى سرت وتسلمتها السيارة المخصصة لنقلها إلى فرع المصرف، وأن الحكومة قامت بما كان مطلوبًا منها في الجانب الأمني.
ويختلف هذا الطرح عن الاتهام الذي وجهه محافظ مصرف ليبيا المركزي آنذاك الصديق الكبير إلى الحكومة بالتقصير والإهمال.
الصديق الكبير يحمل الحكومة المسؤولية
بحسب التحقيق الذي تناول القضية، اعتبر الصديق الكبير أن ما حدث يمثل تقصيرًا من جانب الحكومة، وقال إن التحقيق أظهر أن المجموعة التي نفذت السرقة كانت تتبع أشخاصًا نافذين.
وفي مرحلة لاحقة، اتهم الكبير حكومة علي زيدان بالتقصير والإهمال، بينما رفض زيدان الاتهام.
وبذلك أصبحت القضية تحمل مسارين من المسؤولية:
مسؤولية جنائية عن الاستيلاء على الأموال، ومسؤولية سياسية وإدارية عن فشل الدولة في حماية الشحنة واستعادة الأموال بعد تحديد مكانها.
زيدان ينفي وجود ضغوط قبلية
نفى زيدان تعرضه لضغوط قبلية حالت دون تنفيذ عملية استعادة الأموال.
وقال إن الحكومة أرسلت القوات عندما طلب منها ذلك، وإنه لم يتم دفع أموال لكتائب لتنفيذ العملية.
وفي المقابل، أوضح أن أعيانًا وحكماء من سرت طلبوا عدم إرسال قوات حتى لا يؤدي التدخل إلى سفك الدماء، وهو ما يقدمه زيدان باعتباره سببًا وراء عدم تنفيذ العملية بالقوة.
لكن شهادة بوسدرة تقول إنهم كانوا ينتظرون قوة الرجبان، ثم أُبلغوا بأن القوة رفضت القدوم.
وهنا تبقى مسألة دور القوة العسكرية إحدى الحلقات التي تحتاج إلى وثائق مستقلة لحسمها.
«الأموال في أيدٍ أمينة».. ماذا قصد بوسدرة؟
من أكثر العبارات التي أثارت الجدل في القضية تصريح بوسدرة آنذاك بأن الأموال أصبحت في «أيدٍ أمينة».
وبعد سنوات، عاد بوسدرة لتفسير العبارة.
وقال إنه لم يكن يقصد الأشخاص الذين استولوا على الأموال، وإنما القوة التي كانت تحاصر الموقع، وإن التصريح كان جزءًا من محاولة للضغط النفسي على المجموعة الموجودة في المكان.
كما نفى بوسدرة ما تردد عن وصول الأموال إلى تنظيم «أنصار الشريعة».
لكن تفسيره لم ينهِ التساؤلات، بل فتح سؤالًا آخر:
إذا كانت الأموال محاصرة والقوة تعرف مكانها، فلماذا لم تتم استعادتها؟
«ثم ارتشى من ارتشى.. وخان من خان»
في شهادته اللاحقة، قال بوسدرة إن ما حدث بعد فرض الحصار شابه فساد وخيانة، مستخدمًا عبارة:
«ثم ارتشى من ارتشى، وخان من خان».
لكن هذه العبارة تظل ادعاءً منسوبًا إلى بوسدرة، ولا تكفي وحدها لإثبات حصول رشوة أو تحديد المسؤول عنها.
ولهذا فإن أي تقرير استقصائي جاد يحتاج هنا إلى البحث عن الوثائق أو الشهادات التي يمكن أن تحدد:
من كان مسؤولًا عن الحصار؟
من أصدر قرار عدم الاقتحام؟
هل وصلت القوة المتفق عليها؟
من أوقفها إن كانت قد وصلت؟
هل حدثت مفاوضات مع المجموعة؟
هل استُعيد أي جزء من الأموال؟
وما مصير الأموال التي لم تسترد؟
قضية سبها.. متهمون خلف القضبان ثم اقتحام مركز أمني
لم تتوقف القضية عند سرت.
ففي 4 ديسمبر/كانون الأول 2013، أُلقي القبض على ثلاثة من المشتبه بهم في جنوب ليبيا وأودعوا مركز الأمن الوطني في سبها.
لكن وفق المادة التي تناولت القضية، اقتحمت مجموعة مسلحة المركز وتمكنت من إطلاق سراحهم.
هذه الواقعة، إن صحت تفاصيلها كما وردت في التحقيق، تمثل مرحلة أخرى من الأزمة: قدرة مجموعات مسلحة على تعطيل إجراءات القبض والتحقيق في قضية تتعلق بأموال مصرف ليبيا المركزي.
لماذا لم تكن أرقام العملات مسجلة؟
طرح علي زيدان جانبًا آخر من القضية يتعلق بإمكانية تتبع الأموال.
وقال إن المصرف المركزي لم يكن قد رقّم العملات بطريقة تسمح بتتبعها بسهولة، وهو ما جعل عملية معرفة مسار الأموال بعد سرقتها أكثر صعوبة.
وهذه النقطة تتقاطع مع ما ورد في التحقيق السابق، إذ نُقل عن رئيس قسم البحث الجنائي في سرت أن عدم ورود العملات بأرقامها التسلسلية صعّب عملية تتبع الأموال المسروقة.
وبالتالي فإن السؤال لا يتعلق فقط بالحراسة، وإنما أيضًا بإجراءات إدارة النقد وتوثيقه وتتبع حركته.
بوسدرة: لم أكن متهمًا
مع تصاعد الجدل حول القضية، يقول بوسدرة إنه ذهب بنفسه إلى النيابة العامة للتأكد من موقفه.
وبحسب شهادته، أبلغ المسؤولين بأنه مستعد للتحقيق، وأنه يريد معرفة سبب ربط اسمه بالقضية.
ويقول إنه أُبلغ بأن التحقيقات طالت عددًا من الأشخاص، وأن بعضهم صدرت بحقهم أوامر قبض، وأنهم سيعرضون على القضاء.
وفي نهاية شهادته، تحدى بوسدرة من يملك دليلًا على إدانته، مؤكدًا استعداده للمثول أمام القضاء إذا ثبتت مسؤوليته.
وهذه تبقى روايته الشخصية بشأن موقفه القانوني، ولا ينبغي اعتبارها وحدها إثباتًا لعدم وجود أي مسؤولية.
من هم الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في التحقيقات؟
المادة التي تناولت القضية ذكرت أسماء عدد من الأشخاص باعتبارهم متهمين أو وردت أسماؤهم في تقارير النيابة والبحث الجنائي، ومن بينهم:
عمار صيد
خالد العماري
صالح حبة
سعيد الترهوني
عادل الصغير
إبراهيم العوالي
كما وردت أسماء أخرى في سياق القوة المكلفة بالحراسة والتحقيقات.
لكن ورود الاسم في محضر أو تحقيق لا يساوي ثبوت الإدانة، ولذلك ينبغي التفريق بين قائمة الأسماء التي ظهرت في التحقيق وبين الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية.
ماذا قال القضاء؟
بعد سنوات من الجمود، دخل الملف مرحلة قضائية جديدة.
وفي عام 2023، أعلنت النيابة العامة أن محكمة جنايات مصراتة أدانت شخصين في قضية الاستيلاء على أموال مصرف ليبيا المركزي في سرت عام 2013.
وبحسب بيان مكتب النائب العام، أثبت التحقيق تآمر المتهمين مع أفراد تنظيم لوضع مخطط للاستيلاء على أموال المصرف بالإكراه، وانتهى الأمر إلى إقامة الدعوى الجنائية بحقهما.
وقضت المحكمة بسجن المتهم الأول 15 عامًا وتغريمه مليوني ونصف المليون دينار وحرمانه من حقوقه المدنية، بينما حكمت على المتهم الثاني بالسجن 13 عامًا وغرامة مالية قدرها 50 ألف دينار، مع الحرمان من الحقوق المدنية.
وهذا التطور مهم لأنه ينقل القضية من نطاق الروايات والاتهامات السياسية والإعلامية إلى حكم قضائي بإدانة متهمين محددين.
لكن الحكم لا يعني تلقائيًا أن كل الروايات التي ظهرت خلال السنوات السابقة ثبتت أمام القضاء.
أكثر من 50 عملية سطو بعد حادثة سرت
لم تكن قضية أموال سرت حادثة منفصلة عن أزمة أمن المصارف في ليبيا.
فبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي التي نشرتها «الوسط»، تعرضت المصارف الليبية لأكثر من 50 عملية سطو مسلح منذ أكتوبر 2013.
ولهذا اعتُبرت عملية سرت نقطة مهمة في تاريخ الانفلات الأمني الذي طال القطاع المصرفي، خصوصًا أن العملية استهدفت أموالًا تابعة للمصرف المركزي نفسه.
كما نقل التحقيق عن الصديق الكبير أن الحادثة كان لها أثر على علاقة المصارف الخارجية بالنظام المصرفي الليبي، وقال إن وقف التعامل في العملة الأجنبية كان من أبرز تداعياتها.
ماذا تكشف الروايات المتعارضة؟
عند وضع الشهادات جنبًا إلى جنب، تظهر عدة نقاط لم تُحسم بالطريقة نفسها في جميع الروايات.
أولًا: مسؤولية نقل الأموال
زيدان: التفاصيل الفنية لنقل الأموال تقع أساسًا على المصرف المركزي، والحكومة توفر الإطار الأمني.
المصرف المركزي: المسؤولية عن حماية المؤسسات والأموال تقع على أجهزة الدولة، وقد وُجهت اتهامات للحكومة بالتقصير.
ثانيًا: القوة التي كان يفترض أن تستعيد الأموال
بوسدرة: تم الاتفاق على قوة من خارج سرت، وكانوا ينتظرون وصولها، ثم أُبلغوا بأنها رفضت القدوم.
زيدان: الحكومة أرسلت القوات، لكن أعيانًا وحكماء من سرت طلبوا عدم تنفيذ العملية خوفًا من سفك الدماء.
ثالثًا: مصير الأموال بعد العثور عليها
بوسدرة: كانت الأموال في موقع معروف ومحاصر، ثم اختفى الأشخاص والأموال بعد فشل الخطة.
التحقيق: يطرح رواية أكثر تفصيلًا عن نقل الأموال وتقاسمها بين المشاركين في العملية.
لكن ما يمكن إثباته قضائيًا يجب أن يبقى منفصلًا عن هذه الروايات.
رابعًا: دور بوسدرة
بوسدرة: يقول إن دوره اقتصر على محاولة استعادة الأموال، وإنه لم يشارك في الاستيلاء عليها أو التصرف فيها.
الروايات الإعلامية: ربطت اسمه بالقضية بسبب موقعه في لجنة المتابعة وتصريح «الأموال في أيدٍ أمينة».
ولا يظهر في المصادر التي جرى جمعها هنا حكم قضائي يدين بوسدرة بالمشاركة في عملية السطو.
لماذا ظلت قضية أموال سرت حية بعد أكثر من عقد؟
لأنها لا تتعلق بسرقة مبلغ مالي فقط.
القضية تكشف سلسلة من الأسئلة حول الدولة والمؤسسات:
كيف خرجت معلومة شحنة بهذا الحجم من داخل المؤسسة؟
كيف وصلت الأموال إلى سرت دون منظومة واضحة لتتبعها؟
لماذا فشلت الحماية المسلحة في منع الهجوم؟
كيف تمكن المحققون من تحديد مكان الأموال ثم لم تتم استعادتها؟
لماذا استطاعت مجموعة مسلحة اقتحام مركز أمني وإطلاق سراح مشتبه بهم؟
ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي بقيت فيها الأموال دون استرداد؟
ثم يأتي السؤال الأوسع:
هل كانت عملية سطو منفردة، أم أنها كشفت في وقت مبكر عن خلل أوسع في علاقة المال العام بالقوة المسلحة والنفوذ المحلي؟
من السرقة إلى القضاء.. ماذا بقي مجهولًا؟
رغم الحكم على متهمين اثنين، لا تزال الأسئلة المتعلقة بكامل شبكة العملية تحتاج إلى التفريق بين ما أثبته القضاء وما ورد في التحقيقات الإعلامية والشهادات.
فالحكم القضائي يثبت مسؤولية من أدينوا أمام المحكمة، لكنه لا يثبت بالضرورة كل الاتهامات التي أطلقت خلال السنوات الماضية ضد أشخاص آخرين.
كما أن مصير كامل الأموال المسروقة، بحسب المواد التي جرى جمعها، لا يزال يحتاج إلى توثيق دقيق يحدد ما استُرد وما لم يُسترد وأين انتهت بقية الأموال.
الخاتمة: 53 مليون دينار.. وسؤال أكبر من السرقة
في صباح 28 أكتوبر 2013، خرجت من مطار سرت شحنة مالية ضخمة يفترض أن تصل إلى خزينة مصرف ليبيا المركزي.
بعد دقائق، توقفت الشاحنة تحت تهديد السلاح.
اختفت 53 مليون دينار، و12.8 مليون دولار، و5 ملايين يورو.
ثم بدأت رحلة أخرى: تحقيقات، مشتبه بهم، حصار، قوة عسكرية لم تصل وفق رواية، أعيان تدخلوا وفق رواية أخرى، اتهامات بين المصرف والحكومة، وشهادات متعارضة حول ما حدث في الساعات والأيام التالية.
وبعد سنوات، وصلت القضية إلى المحكمة وصدر حكم بإدانة شخصين.
لكن القضية لا تزال تحمل سؤالها الأكبر:
إذا كانت السلطات قد عرفت مكان الأموال والمشتبه بهم في وقت مبكر، فلماذا لم تستعد الدولة أموال مصرفها المركزي؟
ذلك السؤال هو الحلقة التي تصل بين لحظة السطو في سرت عام 2013، وفشل استعادة الأموال، ثم أزمة أمن المصارف التي شهدتها ليبيا في السنوات التالية.
والإجابة الكاملة تحتاج إلى ما هو أبعد من شهادات السياسيين والمسؤولين؛ تحتاج إلى محاضر التحقيق الأصلية، أوامر القبض، قرارات النيابة، الأحكام القضائية، أوامر العمليات العسكرية، مراسلات مصرف ليبيا المركزي، وشهادات قادة القوة التي كان يفترض أن تستعيد الأموال.
فهناك، تحديدًا، يمكن معرفة أين تنتهي الرواية وأين تبدأ الحقيقة المثبتة بالوثيقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق