الاثنين، 9 فبراير 2026

عقيدة الرجل الأول: كيف تحول "أسير فرجينيا" إلى لغز واشنطن المستعصي في ليبيا؟

 


المقدمة: مفارقة "الجنرال العائد" من ضواحي أمريكا

كيف يمكن لرجل أمضى عقدين من حياته في هدوء ضواحي "فيينا" بولاية فرجينيا، يعيش كـ "أصل استراتيجي" في أدراج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أن يعود ليصبح الصداع المزمن لصناع القرار في واشنطن؟ تكمن الإجابة في مسيرة خليفة حفتر، الذي تحول من جندي في كتيبة واشنطن للإطاحة بالقذافي، إلى "إلكترون حر" يرفض الانصياع لأي هندسة سياسية لا تضعه على رأس الهرم. فمنذ دخوله المشهد الليبي بعد ثورة 2011، لم يكتفِ حفتر بلعب دور العسكري، بل أعاد صياغة قواعد اللعبة الجيوسياسية، واضعاً الغرب أمام مأزق "الانفصام الاستراتيجي": الحاجة إليه كحائط صد ضد الإرهاب، والخوف منه كمخرب للمسار الديمقراطي.



من "أسر الحرب" إلى "فرجينيا": صناعة العميل وصدمة الواقع

لم تبدأ قصة حفتر في بنغازي، بل في رمال تشاد عام 1987. هناك، تعرض للهزيمة والأسر مع مئات من جنوده، ليتلقى طعنة الغدر الأولى من معمره القذافي الذي تبرأ منه ومن رجاله. هذا الانكسار كان "لحظة الميلاد" لحفتر المعارض؛ حيث التقطته المخابرات الأمريكية ليكون حجر الزاوية في عملية "تيوليب" (الخزامى) السرية التي صادق عليها الرئيس رونالد ريغان.

كانت واشنطن آنذاك في ذروة عدائها للنظام الليبي، حيث وصف ريغان القذافي بعبارته الشهيرة:

"القذافي هو الكلب المجنون في الشرق الأوسط."



خضع رجال حفتر لتدريبات مكثفة على يد "فرقة النشاطات الخاصة" التابعة للـ (CIA)، ووصفه المسؤولون آنذاك بـ "الجندي العنيد والمعقول". لكن مسار "العميل" لم يكن مفروشاً بالورود؛ فبعد فشل العمليات وتغير النظام في تشاد، بدأ حفتر رحلة "تيه" استخباراتية، حيث نُقل رجاله إلى نيجيريا ثم زائير في محاولة يائسة من واشنطن لإيجاد مستقر لهم، قبل أن ينتهي بهم المطاف في فرجينيا. هذا التاريخ "المصنّع" في أروقة الاستخبارات هو ما يجعل تمرده الحالي على الرغبات الأمريكية يبدو كمفارقة درامية بامتياز.




"الإلكترون الحر": لغز السياسة الأمريكية والتحالفات المتشابكة

في أروقة الإدارة الأمريكية، يُطلق على حفتر لقب "الإلكترون الحر" (Free Electron). هذا الوصف ليس مجرد استعارة، بل تعبير عن حالة "الشلل الاستراتيجي" التي تعاني منها واشنطن. فهي لا تملك القدرة على تهميشه نظراً لثقله العسكري، ولا تستطيع إدماجه في عملية سياسية ترفض طبيعته السلطوية.

ما يعزز وضعية "الإلكترون الحر" هو فشل إدارة أوباما في صياغة استراتيجية موحدة، وهو فشل ناتج عن تداخل اللاعبين الإقليميين والدوليين. فبينما تحاول واشنطن دفع المسار السياسي، يجد حفتر دعماً صلباً من حلفاء إقليميين مثل مصر والإمارات، بل ويتجاوز ذلك إلى "غزل" عسكري مع باريس؛ حيث تستخدم القوات الفرنسية قاعدة "بنينا" قرب بنغازي كمنطلق لعملياتها. هذا الدعم الخارجي منح حفتر "أجنحة" مكنته من التحليق خارج المدار الأمريكي، محولاً إياه من أصل استراتيجي تابع إلى شريك متمرد يملك أوراق ضغط قوية.



تسويق "مكافحة الإرهاب": تحويل التعثر العسكري إلى نفوذ سياسي

في فبراير 2014، فاجأ حفتر العالم بما وصفه البعض بـ "الانقلاب التلفزيوني"، معلناً تجميد العمل بالإعلان الدستوري. ورغم سخرية البعض في واشنطن حينها من رجل "عاش في فرجينيا للأبد"، إلا أنه أثبت قدرة فائقة على قراءة الواقع. عبر "عملية الكرامة" ضد جماعة أنصار الشريعة في بنغازي، استطاع حفتر استثمار خطاب مكافحة الإرهاب كـ "أداة تسويقية" فعالة أمام الغرب.



يرى الخبير "فردريك ويهري" أن عبقرية حفتر السياسية تكمن في قدرته على تحويل أداء عسكري "متفاوت ومضطرب" ميدانياً إلى نفوذ سياسي حقيقي على طاولة المفاوضات. لقد جعل من نفسه "الخيار الوحيد" لمن يخشون الفوضى، محولاً المعارك الميدانية المليئة بالاستنزاف إلى "رأسمال سياسي" يستخدمه لرفض أي مسار ديمقراطي ترفضه عقيدته العسكرية الشخصية.



عقيدة الرجل الأول: لماذا يرفض حفتر "مقعد الراكب"؟

يرى الباحث "باراك بارفي" أن حفتر يلعب دور "المخرب" (Spoiler) بامتياز؛ فهو لا يملك القوة الكافية لحسم الصراع عسكرياً والسيطرة على كامل ليبيا، لكنه يملك ما يكفي من القوة لضمان فشل أي مبادرة لا يكون هو محورها. يبرز هذا التعنت في رفضه المستمر للخضوع لسلطة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة دولياً، خوفاً من تجريده من منصبه العسكري.

المفارقة الصارخة تكمن في أن قوات حفتر تجد نفسها أحياناً في مواجهة مباشرة مع تشكيلات مسلحة متحالفة مع الحكومة التي تدعمها واشنطن. بالنسبة لحفتر، المعادلة صفرية: إما قيادة عسكرية مطلقة تملي شروطها على السياسيين، أو الاستمرار في عرقلة أي اتفاق. هو يرى نفسه "المنقذ" الذي لا يقبل بالدور الثاني، بينما يراه خصومه في طرابلس "ديكتاتوراً قيد التكوين" يمثل خطراً يوازي، إن لم يتجاوز، خطر التنظيمات المتطرفة.



الخاتمة: مستقبل ليبيا بين المطرقة والسندان

تعيش واشنطن اليوم حالة من "الاستعصاء السياسي"؛ فهي تدرك أن المراهنة على حفتر كبناء ديمقراطي هي رهان خاسر، لكنها في الوقت ذاته لا تتخيل مستقبلاً لليبيا بدونه. هذا المأزق وضع البلاد تحت رحمة "الرجل الواحد" الذي يرفض أن يكون مجرد رقم في معادلة جماعية.


وبينما تستمر محاولات "ترويض" هذا الجنرال لدمجه في حكومة وحدة وطنية، يبقى السؤال الجوهري معلقاً في سماء ليبيا: هل يمكن لبناء ديمقراطي مستقر أن يقوم على أرضية يتحرك فوقها "إلكترون حر" يرى في "مقعد الراكب" إهانة لتاريخه، وفي "مقعد القيادة" حقاً حصرياً لا يقبل القسمة؟






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق